إفريقيا وكوريا الشمالية: علاقات تاريخية تبحث عن مكان في الحاضر

10 سبتمبر 2025

تحرير: أفريكا آي

منذ ستينيات القرن الماضي، نسجت كوريا الشمالية شبكة معقدة من العلاقات مع دول القارة الإفريقية، مستندة إلى شعار مناهضة الاستعمار ودعم حركات التحرر الوطني. ورغم التراجع الملحوظ لهذه الروابط في العقود الأخيرة بفعل العقوبات الدولية وتبدل أولويات القارة، فإن العلاقة بين بيونغ يانغ وإفريقيا ما تزال قائمة، تتراوح بين التعاون الرمزي والتواصل الدبلوماسي المحدود.

إرث الحرب الباردة

مع استقلال العديد من الدول الإفريقية، وجدت بيونغ يانغ في القارة أرضية خصبة لتعزيز نفوذها الدولي ومواجهة كوريا الجنوبية المدعومة غربياً. دعمت كوريا الشمالية حركات التحرر في أنغولا وموزمبيق وزيمبابوي وناميبيا، وقدمت التدريب العسكري والسلاح لبعضها. كما نجحت في بناء تحالفات مع أنظمة قومية ويسارية، مثل نظام أحمد سيكو توري في غينيا أو نظام جوليوس نيريري في تنزانيا. هذا الدعم عزز صورة بيونغ يانغ كحليف للجنوب العالمي، وأكسبها رصيداً سياسياً داخل الأمم المتحدة.

الدبلوماسية عبر الإنشاءات والرموز

رغم ضعف اقتصادها، استثمرت كوريا الشمالية في مجال مختلف: النصب التذكارية والمشاريع الرمزية. فقد شيّد مهندسوها ستادات ومبانٍ كبرى في زامبيا ومصر، وصولاً إلى النصب الضخم للنهضة الإفريقية في داكار، الذي أصبح رمزاً لمدى تغلغل نفوذها الثقافي في القارة. هذه المشاريع لم تكن مجرد إنجازات معمارية، بل أدوات لتثبيت حضور سياسي وثقافي طويل الأمد.

التعاون العسكري والأمني

لعبت كوريا الشمالية دوراً بارزاً في تدريب قوات خاصة في أوغندا وزيمبابوي، بل وحتى في توفير مستشارين عسكريين. غير أن هذا الجانب من التعاون تعرض لانتقادات دولية متكررة، إذ اتُّهمت بيونغ يانغ بخرق العقوبات الأممية من خلال استمرار بيع السلاح وتقديم الدعم العسكري السري. ومع تصاعد الضغوط، اضطرت بعض الدول، مثل أوغندا في 2016، إلى تقليص تعاونها الأمني مع كوريا الشمالية، خصوصاً بعد تهديدات أمريكية بفرض عقوبات.

المواقف السياسية والتحولات الدبلوماسية

لطالما اتسم الموقف الإفريقي داخل الأمم المتحدة بتعاطف أو حياد تجاه كوريا الشمالية، إذ امتنعت عدة دول عن التصويت ضدها، أو أيدت مواقفها بشكل غير مباشر، في إطار التضامن التاريخي مع حركات التحرر. لكن مع تطور العلاقات الاقتصادية والدبلوماسية مع كوريا الجنوبية والصين والغرب، تراجع هذا الميل تدريجياً. اليوم، باتت معظم الدول الإفريقية حذرة في إظهار تقارب علني مع بيونغ يانغ، خشية الدخول في صدام مع النظام الدولي القائم على العقوبات.

الواقع الراهن وآفاق المستقبل

في الوقت الراهن، تبقى العلاقات الإفريقية-الكورية الشمالية محدودة النطاق، تقتصر في الغالب على بعثات دبلوماسية ومشاريع إنشائية رمزية. ومع ذلك، ما تزال بيونغ يانغ حاضرة في ذاكرة قادة وشعوب تلقت منها دعماً عسكرياً وسياسياً خلال معارك التحرر. ورغم أن القارة اليوم تتجه أكثر نحو شراكات مع الصين والغرب وكوريا الجنوبية، فإن كوريا الشمالية تسعى إلى الحفاظ على قنوات اتصال مفتوحة، ولو بشكل رمزي، لتأكيد أنها لم تُقصَ بعد من الساحة الإفريقية.

خلاصة

العلاقة بين إفريقيا وكوريا الشمالية، إذن، لم تعد كما كانت في زمن الحرب الباردة، لكنها لم تختفِ تماماً. إنها علاقة محكومة بميزان دقيق بين التاريخ والواقع، بين الحاجة إلى الانفتاح على العالم وبين الحفاظ على إرث تضامني قديم. وما لم تغيّر بيونغ يانغ استراتيجيتها الدولية وتكسر عزلتها، فمن المرجح أن تبقى هذه العلاقات في الهامش، قائمة بقدر ما يسمح به التاريخ، ومقيّدة بقدر ما تفرضه الجغرافيا السياسية.