لماذا صعّدت مصر خطابها تجاه “إسرائيل”؟

18 سبتمبر 2025

محمد زاوي

لم تخلُ لغة الرئيس عبد الفتاح السيسي، خلال كلمته في القمة العربية الإسلامية المقامة بالدوحة (15 شتنبر 2025)، من تهديد موجه لـ”إسرائيل”؛ وهو التهديد الذي بدا واضحا في مواضع من خطاب الرئيس المصري:

-عند قوله: “أحذر من أن ما نشهده من سلوك إسرائيلي منفلت، ومزعزع للاستقرار الإقليمي، من شأنه توسيع رقعة الصراع، ودفع المنطقة نحو دوامة خطيرة من التصعيد، وهو ما لا يمكن القبول به، أو السكوت عنه”. وفي هذا ربطٌ لاستقرار المنطقة بمدى التزام “إسرائيل” بقواعد السلام واحترامها لسيادات الدول العربية.. في حين أن استمرار التصعيد “الإسرائيلي” يفرض نوعا من التصعيد المضاد، ما دام التصعيد تغييرا لقواعد الاشتباك.

-وعندما قال: “إن على إسرائيل أن تستوعب، أن أمنها وسلامتها، لن يتحققا بسياسات القوة والاعتداء، بل بالالتزام بالقانون الدولي، واحترام سيادة الدول العربية والإسلامية، وأن سيادة تلك الدول، لا يمكن أن تمس تحت أي ذريعة، وهذه مبادئ غير قابلة للمساومة”. وهنا ينبه الرئيس المصري القيادة “الإسرائيلية” الحالية -وهي قيادة يمينية أساسا- إلى أن سياسات “اليمين المتطرف” ليست في مصلحة “الطرف الإسرائيلي” نفسه، لأنها تطوقه بحرب دائمة من كافة حدوده وتنسف كافة جهود السلام التي يقتنع بها الطرف العربي قبل غيره (الحديث هنا عن الاستراتيجية العربية، أو ما يمكن أن نطلق عليه محور: المغرب-مصر-السعودية).

-ومن خلال قوله أيضا: “ولشعب إسرائيل أقول: ” إن ما يجري حاليًا يقوض مستقبل السلام، ويهدد أمنكم، وأمن جميع شعوب المنطقة، ويضع العراقيل أمام فرص أي اتفاقيات سلام جديدة، بل ويجهض اتفاقات السلام القائمة مع دول المنطقة، وحينها ستكون العواقب وخيمة؛ وذلك بعودة المنطقة إلى أجواء الصراع، وضياع ما تحقق من جهود تاريخية لبناء السلام، ومكاسب تحققت من ورائه، وهو ثمن سندفعه جميعًا بلا استثناء، فلا تسمحوا بأن تذهب جهود أسلافنا من أجل السلام سدى، ويكون الندم حينها، بلا جدوى “. والسؤال هنا: لماذا قررت الدولة المصرية مخاطبة “الشعب الإسرائيلي” في هذا السياق بالذات؟ أولا: لأن فئات واسعة من هذا الشعب قد سئمت السياسات الحربية “الإسرائيلية” ومنها عوائل الجنود والأسرى وضحايا الحرب من قتلى وجرحى، وفئات أخرى هاجرت تاركة أملاكها العقارية وغير العقارية.. وثانيا: لأن الفاعل السياسي “الإسرائيلي” نفسه ليس واحدا، فلعل السيسى يخاطب الفاعل النقيض لليمين المتطرف، لعله يجد في فئاتٍ من المجتمع “الإسرائيلي” قابليات للضغط على حكومة نتنياهو.. وثالثا: لعلها رسالة موجهة إلى الحكومة اليمينية نفسها ومفادها أن كل استهداف “إسرائيلي” لمصر قد يعرض كافة المصالح الإسرائيلية للخطر، مدنية كانت هذه المصالح أو عسكرية.

-وكذلك في قوله: “وتؤكد مصر مجددًا؛ رفضها الكامل، لأي مقترحات من شأنها تهجير الفلسطينيين من أرضهم، فمثل هذه الأطروحات، ليس لها أساس قانوني أو أخلاقي، ولن تؤدي سوى إلى توسيع رقعة الصراع، وهو أمر من شأنه زعزعة استقرار المنطقة بأكملها”. وهذا موقف واضح للإدارة المصرية من التهجير، وهي رسالة موجهة لحكومة نتنياهو ومعها إدارة ترامب.. ومضمون هذه الرسالة أن: شروع حكومة نتنياهو في تنفيذ سياسة التهجير تعتبره الإدارة المصرية إعلانا للحرب يستلزم الرد بما تقتضيه حالة الحرب!

-ولمّا وصف “إسرائيل” بـ”العدو” فقال: “يجب أن نغير مواقفنا من نظرة العدو نحونا، ليرى أن أي دولة عربية؛ مساحتها ممتدة من المحيط إلى الخليج، ومظلتها متسعة لكل الدول الإسلامية والدول المحبة للسلام”. يسعى السيسي بهذا الخطاب إلى تضييق الخناق على حكومة اليمين وفئاته التي باتت متحكمة في السياسة “الإسرائيلية” رغما عن أنف الإدارة الأمريكية نفسها.. وقد كان هذا اليمين “عدوا” منذ زمن بعيد، وهو نفسه الذي يعرقل كافة جهود السلام في المنطقة (بما في ذلك “اتفاقيات التطبيع”).. وهو “عدو” الاستراتيجية العربية أساسا، وعدو استراتيجي لإدارة ترامب (رغم التقاطع التكتيكي هنا وهناك)، كما أنه “عدو” للفلسطينيين بمختلف فصائلهم (بما في ذلك “السلطة الفلسطينية”)، بل هو “عدو” للمعتدلين “الإسرائيليين” أنفسهم.

هذه إشارات نراها مهمة في خطاب السيسي، ناهيك عمّا اتسم به خطابه من لغة تصعيدية شكلا ومضمونا، من دعوته إلى “حسم المشكل الفلسطيني بتكريس الدولة الفلسطينية واقعيا”، إلى دعوته إلى تكثيف الجهود والتنسيق في أفق تأسيس استراتيجية عربية موحّدة لمواجهة التحدي “الإسرائيلي”. ولم يكن هذا التصعيد منفصلا عن أساسه المادي-العسكري، إذ أنه كان مسبوقا بعدة تحركات عسكرية مصرية لعل أبرزها: تحريك نحو 40 ألف جندي ومركبات مدرعة إلى شمال سيناء (أواخر غشت المنصرم)، وكذا نصب منصات دفاع جوي صينية متطورة في شبه جزيرة سيناء (حسب تقارير دولية/ قبل يومين).