كيف نفهم اعتراف الدول الأوروبية بدولة فلسطين؟!

تحرير: محمد المكودي
بدأ الاعتراف الأوروبي بدولة فلسطين بشكل محدود، حيث كانت أيسلندا أول دولة في أوروبا الغربية تقدم على هذه الخطوة، معلنة اعترافها الرسمي بفلسطين في عام 2011. ثم في عام 2014، شهد الموقف الأوروبي دفعة قوية مع السويد، التي أصبحت أول دولة عضو في الاتحاد الأوروبي تعترف بدولة فلسطين رسميًا، مما مثّل تحولًا نوعيًا في الموقف الأوروبي تجاه القضية الفلسطينية.
وفي مايو 2024، جاءت موجة جديدة من الاعترافات، في سياق تصاعد التوترات في الأراضي الفلسطينية. فقد أعلنت ثلاث دول أوروبية عن اعترافها المتزامن بدولة فلسطين، وهي: إيرلندا، إسبانيا، والنرويج، في يوم 28 مايو. وبعد أيام قليلة، انضمت سلوفينيا إلى هذه الدول، مع إعلانها الرسمي للاعتراف في 4 يونيو 2024.
ثم جاءت المرحلة الأكثر زخمًا في سبتمبر 2025، فيما وصفه مراقبون بـ”تسونامي الاعتراف” أو “أحداث الطوفان”، حيث شهدت الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك موجة غير مسبوقة من الاعترافات الأوروبية. بدأت البرتغال بالإعلان عن اعترافها في 21 سبتمبر، ثم تبعتها المملكة المتحدة، فرنسا، وبلجيكا في اليوم التالي، 22 سبتمبر. كما أعلنت كل من لوكسمبورغ، مالطا، أندورا، وموناكو عن اعترافها في التوقيت ذاته، ضمن موجة متزامنة. وفي 23 سبتمبر، أضافت سان مارينو اسمها إلى القائمة، مكتملة بذلك واحدة من أوسع موجات الاعتراف الأوروبية بفلسطين.
بهذا الشكل، باتت معظم دول أوروبا الغربية والوسطى قد اعترفت رسميًا بدولة فلسطين، مع استمرار غياب بعض الدول عن اتخاذ هذه الخطوة، مثل ألمانيا والدنمارك، التي لا تزال تربط الاعتراف بشروط سياسية ودبلوماسية تتعلق بمفاوضات الحل النهائي بين الفلسطينيين و”الإسرائيليين”.
وفي تفاصيل ما حدث مؤخرا فقد أعلنت فرنسا وبريطانيا خلال سبتمبر 2025 اعترافهما الرسمي بدولة فلسطين، في محاولة لإحياء حل الدولتين بعد سنوات من الجمود السياسي والتصعيد الميداني.
وجاء إعلان فرنسا على لسان الرئيس ماكرون خلال اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة، مؤكدًا أن الاعتراف لا يتعارض مع دعم إسرائيل بل يسعى لإعادة الأمل بالسلام. أما بريطانيا، فأعلنت قرارها عبر بيان حكومي وصف الاعتراف بأنه خطوة لحماية إمكانية التفاوض وتحقيق حل الدولتين، مع التشديد على ضرورة إصلاحات فلسطينية والتزامات إسرائيلية.
وقد لقيت الخطوتان ترحيبًا فلسطينيًا ودعمًا عربيًا، مقابل رفض أمريكي شديد اعتبر الخطوة تحيزا لحركة “حماس”، واتهامات إسرائيلية باعتبار الاعتراف “مكافأة للإرهاب”.
السؤال بعد هذا العرض هو: كيف نفهم الاعترافات الأوروبية الأخيرة بدولة فلسطين؟ هناك عدة أجوبة على هذا السؤال، بعضها مرتبط بالتكتيك الأوروبي في مرحلة جد معقدة، والبعض الآخر مرتبط باستراتيجية دولية عامة لا يكاد يخرج من ضرورتها أحد.
فأما تلك المتعلقة بالتكتيك الأوروبي، فلا تخرج عن تدبير الأوروبيين لاشتباكهم من روسيا في أوكرانيا، بما في ذلك تصور دونالد ترامب لأدوار حلف الناتو مستقبلا.. يحاول الجانب الأوروبي الضغط على ترامب بإرباك حسابه في فلسطين، من خلال طرح ما يريده هو نفسه لكن قبل أوانه، أي الاعتراف بدولة فلسطينية.
وغرض الأوروبيين من ذلك الضغط على ترامب في مجال جيوسياسي آخر،، حيث الاشتباك بينهم وبين روسيا على الإقليم الأوكراني.. يرفض الأوروبيون أن تحلّ الأزمة الأوكرانية على حساب مصالحهم الجيوسياسية، فهذه بتلك، وإرباك لحساب بإرباك لحساب، هكذا تصرف الأوروبيون لتقويض التفاهم الأخير بين بوتين وترامب.
واستراتيجيا، فلا يعبر القرار الأوروبي إلا عن مستقبل القضية الفلسطينية الذي يعكس في حقيقته تغير ميزان القوى العالمي، وهو ما لم يعد يسمح باستمرار الدعم الغربي لـ”إسرائيل”، أو لعله -على الأقل- لم يعد يسمح باستمراره بنفس الوتيرة؛ في ظل صعود قوى جديدة تنذر بتدخل فاعلين جددٍ في الشرق الأوسط، ناهيك عن تفوق قدراتها على القدرات الغربية في العديد من المجالات.
في هذه الحالة، يصبح الشرق الأوسط الشريك الحليف أكثر أهمية بالنسبة لترامب، لا الشرق العدو-الخصم الحليف للصين وروسيا.. الاعتراف بفلسطين استراتيجية أمريكا والأوروبيين جميعا، لكنهم يختلفون في الزمن اختلافا يعكس تناقض مصالحهم في الملف الروسي-الأوكراني.



