العلاقات المغربية الروسية (4): في أفقها الاقتصادي

29 سبتمبر 2025

محمد زاوي

لا تتسم العلاقات الاقتصادية المغربية والروسية بالاستقرار، رغم استمرارها وعدم انقطاعها حتى في أشد الظروف الدولية توترا؛ وذلك لعدم استقرار الموقع الاقتصادي والجيوسياسي للروس على المستوى الدولي. ومما يؤكد هذا التحليل هو أن هذه العلاقات عرفت تقدما بالتناسب مع تقدم روسيا دوليا؛ فقد أكد السفير الروسي السابق بالمغرب، فاليريان شوفاييف، أن “العلاقات الثنائية بين روسيا الاتحادية والمملكة المغربية، لا تتوقف عن التطور”، وأن “الصادرات المغربية نحو روسيا، تبين اتجاها إيجابيا” (فاليريان شوفاييف، السفير الروسي السابق بالمغرب، حوار مع “تيليكسبريس”).

وحسب المسؤول الروسي ذاته فقد “تطورت هذه الصادرات عام 2021، بنسبة 10,8 %، إذا ما قارناها بصادرات عام 2020”. ووصلت هذه الصادرات مبلغا إجماليا قدره 435 مليون دولار، حسب ذات المسؤول (نفسه). يعكس هذا التقدم ميزان القوى الدولي وتأقلم المغرب مع هذا الميزان، فكلما تراجع الدور الاقتصادي والسياسي الأمريكي لفائدة دول أخرى، أبرزها روسيا والصين، إلا وعزز المغرب علاقاته بالقوى الدولية الجديدة. الواقع الموضوعي العالمي يفرض منطقه، فليست هناك وتيرة خالدة للعلاقات، بما فيها علاقة المغرب بالولايات المتحدة الأمريكية، وكذا علاقته بالطرف النقيض منها، اشتراكية السوق الصينية أو باقي الرأسماليات الوطنية الصاعدة (كروسيا والهند والبرازيل الخ).

تتجه العلاقات الاقتصادية بين المغرب وروسيا بوتيرة تصاعدية إذن، في إطار تبادل المكاسب بين الطرفين، أي في إطار سياسة “رابح-رابح”. وهي علاقات ذات جذور تاريخية قديمة تعود للقرن 18 م (1977)، بين الدولة العلوية وروسيا القيصرية. إلا أن تقدم البورجوازية الأوروبية قبل نظيرتها الروسية عجل بالانخراط القسري للمغرب في المنظومة الاقتصادية الغربية، وهو ما حكم علاقاته الاقتصادية والدبلوماسية بعد استقلاله. ورغم ذلك، فلم يكن المغرب ليقطع علاقاته بالروس، بل حافظ عليها إلى اليوم، في أفق تطويرها مستقبلا واستئناف العالق منها عندما تنضج الشروط التاريخية لذلك.

وتشمل العلاقات الاقتصادية بين البلدين عددا من المجالات أبرزها:

– فعلى المستوى الزراعي: هناك معطيات تؤكد أن “الصادرات الزراعية تشكل 75 في المئة من الصادرات المغربية المخصصة لروسيا وسوقها الأوراسية”، ومن بين الاتفاقيات (11 اتفاقية، عام 2017) التي وقعها المغرب مع روسيا، هناك اتفاقية خاصة بالمجال الزراعي (سبوتنيك نيوز). وعرفت واردات المغرب من الحبوب الروسية نموا مهما، حتى أنها بلغت نحو 420 مليون دولار بين 2017 و2021 (الممثل التجاري لروسيا بالمغرب، أرتيما تسينامدز، تصريحات، سبوتنيك نيوز)؛ وهي مرشحة للارتفاع بسبب موجات الجفاف التي يعرفها المغرب. ومما تجدر الإشارة إليه أن المغرب ليس في حاجة إلى القمح الروسي فقط، بل إلى الخبرة الروسية في مجال الزراعة في مختلف المناخات، كذا إلى التجربة الروسية في استثمار الأراضي زراعيا لما يخدم الفلاح ومصلحة الدولة معا.

– وعلى المستوى التجاري: فقد سبق لوكالة التصدير الروسية أن أكدت (عام 2022) سعيها إلى مضاعفة صادراتها إلى المغرب عشرة أضعاف، عامي 2023 و2024. وحسب المعطيات المتوفرة، فالملاحظ هو أن “التبادلات التجارية بين البلدين في منحى تصاعدي” (أحمد درداري، ممثل المركز الدولي لرصد الأزمات واستشراف السياسات بالمغرب). ومن مؤشرات هذا المنحى التصاعدي “ارتفاع حجم التبادل التجاري بين المغرب وروسيا في أواخر عام 2021، بنسبة 42 في المئة”، وكذلك “نمو الصادرات الروسية إلى المغرب بنسبة 60 في المئة، ومن المغرب نحو روسيا بنسبة 11 في المئة” (أرتيم تسينامدز غفريشفيلي، الممثل التجاري لروسيا في المغرب، وكالة “تاس” الروسية، جريدة “هسبريس”). المبادلات التجارية مقياس من حيث حجمها ونوعها؛ من حيث حجمها تدل على انتماء جيوسياسي معين، ومن حيث نوعها تدل على نوع هذا الانتماء وعلى موقع البلد في “التقسيم الدولي للعمل”. العاملان معا يرتبطان بالنظام الدولي، فإذا تغير النظام تغير الانتماء الجيوسياسي و”التقسيم الدولي للعمل”. علاقة المغرب بروسيا محكومة بهذا السياق، وبقدر تلاشي وتهالك النظام الدولي القديم، بقدر ما يبحث المغرب عن موقع جديد في النظام الجديد، والأرجح أن تكون العلاقات التجارية بروسيا من أبرز مؤشرات هذا التموقع.

– وعلى المستوى الطاقي: هناك تعاون بين المغرب وروسيا في هذا المجال أيضا، حيث أكد أحمد دراري، ممثل المركز الدولي لرصد الأزمات واستشراف السياسات بالمغرب، أن “روسيا تزود المغرب بالديزل، حيث وصل نحو 735 ألف طن سنة 2022، إضافة إلى التعاون في مجال الطاقة النووية والتكنولوجيا النووية للأغراض السلمية، وفق علاقة النفع المتبادل بالرغم من الحظر الأوروبي على المنتجات النفطية في أوروبا” (سبوتنيك نيوز). ويجب أن يرتكز هذا التعاون على ما هو مرتبط بالخبرة والتقنية، باستغلال الواقع الجديد المتسم بتراجع الاحتكار الغربي الرأسمالي للتقنية والخبرة، وظهور لاعبين جدد يخرقون هذا الاحتكار باقتراح التعاون والمساعدة على بعض الدول ذات الموقع الجيوسياسي والاستراتيجي المهم كالمغرب. ومما يجب أن يشمله التعاون، نوعان من الطاقة، الطاقة النووية والطاقات البديلة؛ نظرا لحاجة المغرب إلى الأولى في واقع إقليمي ودولي مضطرب، ونظرا للمنحى الذي يسلكه العالم ككل في اتجاه الطاقات البديلة.

– وعلى المستوى العسكري: ليست هناك علاقات عسكرية قوية بين المغرب وروسيا، إذا ما قارنا هذه العلاقات بالتي بين روسيا والجزائر من جهة، وبالتي بين المغرب والولايات المتحدة الأمريكية من جهة ثانية. إلا أن الاستفادة المغربية من السلاح الروسي لم تبق حبيسة المرحلة الإيديولوجية، والتي كان فيها الاتحاد السوفييتي يقدم الدعم العسكري أو يقرر مبادلات عسكرية على أساس الانتماء الإيديولوجي للمعسكر الشرقي؛ بل إن هذه الاستفادة أخذت منحى جديدا بعد تحرر روسيا الاتحادية من إيديولوجية الاتحاد السوفييتي واتخاذها التغيرات الجيوسياسية بعين الاعتبار. وبناء على ذلك، فقد أخذ التعاون العسكري بين البلدين سبيلا جديدا، حتى أن بعض التقارير تحدثت عن “صفقة بين المغرب وروسيا تشمل غواصة وطائرات مروحية وصواريخ بحرية متطورة” (روسيا تطور علاقاتها المغاربية من بوابة الاقتصاد والسلاح، موقع “الجزيرة”، تاريخ النشر 27/04/2017، تاريخ الاطلاع 19/06/2023). ومما تجدر الإشارة إليه هنا أيضا، موافقة روسيا على التعاون مع المغرب في بناء محطته النووية؛ ورغم أن الأمر يتعلق باستثمار الطاقة النووية في الأنشطة المدنية، إلا أن دخول روسيا على الخط وفي سياق جد حساس (الحرب الروسية الأوكرانية، تغير النظام العالمي) لا يخلو من دلالة.

(يتبع)