مالي والجزائر.. تصدع في جدار الجوار وسط رياح النفوذ الإقليمي

تحرير: أفريكا آي
لم تكن العلاقات بين مالي والجزائر يومًا مثالية، لكنها حافظت لعقود على حد أدنى من التعاون بحكم الجوار والتاريخ، والتقاطع الأمني في ملف الطوارق والإرهاب في الساحل. غير أن الأشهر الأخيرة شهدت تصاعدًا لافتًا في حدة التوتر بين باماكو والجزائر العاصمة، ما يهدد بانهيار الوساطة الجزائرية في ملف شمال مالي، ويدفع نحو إعادة تشكيل التحالفات في منطقة مضطربة بطبيعتها.
من الوسيط إلى الخصم.. الجزائر تفقد نفوذها في مالي؟
لطالما لعبت الجزائر دور الوسيط الرئيسي بين الحكومة المركزية في باماكو والحركات المسلحة في شمال البلاد، خصوصًا الطوارق. وقد تُوّج هذا الدور بتوقيع اتفاق السلام في الجزائر سنة 2015 بين الحكومة المالية والحركات الأزوادية المسلحة.
لكن انقلاب 2020 في مالي، ثم وصول المجلس العسكري بقيادة العقيد أسيمي غويتا إلى السلطة، أدخلا البلاد في مسار سياسي جديد، تقاربت فيه مالي بشكل غير مسبوق مع روسيا (عبر مجموعة فاغنر)، وابتعدت تدريجيًا عن شركائها التقليديين، من بينهم الجزائر.
وقد تصاعدت الأزمة حين اتهمت مالي الجزائر بدعم الحركات الانفصالية في الشمال، واعتبرت ذلك تدخلاً في شؤونها الداخلية، بل ذهب وزير خارجيتها إلى حد التلويح بمراجعة الاتفاق الموقع في الجزائر، وفتح الباب أمام مسارات بديلة للحوار.
سحب السفير وتبادل الاتهامات
في أكتوبر 2023، سحبت باماكو سفيرها لدى الجزائر احتجاجًا على استضافة الحكومة الجزائرية وفدًا من حركات الطوارق المسلحة، دون تنسيق مسبق مع الحكومة المالية.
واعتبرت مالي أن هذا التصرف “غير ودي”، ويقوض جهود بناء الثقة، خاصة في ظل النزاع المسلح المتجدد في شمال البلاد. وردّت الجزائر بنبرة دبلوماسية، مشددة على أن دورها ينطلق من اتفاق سلام مصادق عليه دوليًا، وأن الحوار مع جميع الأطراف هو جزء من مهمتها كوسيط.
لكن الرسائل بين السطور كانت واضحة: التحالف المالي الجزائري دخل نفقًا مظلمًا، يصعب الخروج منه دون تنازلات سياسية كبيرة.
السياق الإقليمي.. حسابات النفوذ والفراغ الفرنسي
الصراع بين مالي والجزائر لا يمكن فصله عن السياق الإقليمي المتغير، خاصة بعد انسحاب فرنسا عسكريًا من مالي، وصعود دور روسيا وفاغنر، وتزايد نشاط الجماعات المسلحة على الحدود الثلاثية بين مالي، النيجر، والجزائر.
ومع انضمام مالي إلى تحالف دول الساحل الجديد (مع النيجر وبوركينا فاسو)، بات يُنظَر إلى الجزائر كجزء من المنظومة القديمة، بل أحيانًا كعقبة أمام طموحات الأنظمة العسكرية الجديدة في تشكيل محور سيادي مناهض للغرب.
هذه التغيرات خلقت توازنات جديدة، يتراجع فيها الدور الجزائري مقابل صعود أصوات تدعو لإنهاء أي تبعية أو وساطة “لا تخدم المصالح الوطنية المالية”، كما صرّحت قيادات عسكرية في باماكو.
ما بعد الاتفاق.. هل انتهت وساطة الجزائر؟
في ضوء التوتر الحالي، يبدو أن اتفاق الجزائر لعام 2015 بات مهددًا، خاصة مع إعلان بعض الحركات الأزوادية المسلحة انسحابها من الاتفاق، وتصاعد المعارك المسلحة في الشمال، والتي لم تستثنِ حتى القوات الأممية قبل انسحابها.
ويطرح متابعون تساؤلات جدية: هل نحن أمام نهاية الدور الجزائري كوسيط في مالي؟ وهل تفتح باماكو الباب لوساطات بديلة، ربما برعاية روسية أو عبر أطراف إفريقية جديدة؟
***
إن التحول في العلاقات بين الجزائر ومالي يعكس تغيرًا أوسع في بنية النفوذ الإقليمي في الساحل الإفريقي. فالجزائر، التي راهنت على الوساطة والدبلوماسية لعقود، تواجه اليوم واقعًا جديدًا يتميز بحكومات عسكرية متوجسة، وقوى دولية جديدة تخترق المنطقة من بوابات الأمن والاقتصاد.
في هذا السياق، يبقى السؤال الأهم: هل تستطيع الجزائر إعادة تموضعها في المشهد المالي، أم أن قطار التحولات قد انطلق دونها؟



