تأثير صعود ترامب على الاقتصاد الجزائري

4 أكتوبر 2025

محمد زاوي

تسجل المعطيات الجديدة تقدما جزائريا على مستوى الناتج المحلي الذي انتقل من 239,9 مليار دولار (عام 2023) إلى 267 مليار دولار (عام 2024)، وهو التقدم الذي جعل الجزائر تحتل -بحسب معطيات لصندوق النقد الدولي- المركز الثالث في إفريقيا، مسبوقة بكل من جنوب إفريقيا ثم مصر. وبقدر ما يشكل هذا التقدم قابلية للانطلاق الاقتصادي، فهو يحمل بين ثناياه عدة معيقات تظهر بعض تجلياتها بمجرد الحديث عن واقع العملة الجزائرية، حيث يساوي دولار واحد 134 دينارا تقريبا. ويرجع هذا التفاوت بين العائدات الجزائرية وواقعها الاقتصادي إلى اعتماد الاقتصاد الجزائري على قطاعي النفط والغاز أساسا.

هناك تفاوت واضح في الجزائر بين الصناعات التحويلية والصناعة المعدنية والاستخراجية، إذ تتفوق هذه على الأولى نظرا للتركيز الجزائري على الاستثمار في قطاعي النفط والغاز.. الأمر الذي يجعل عددا من الدول العربية والمغاربية والإفريقية تتفوق على الجزائر في مجال الصناعات التحويلية (محضار سليم، تحليل تنافسية القطاع الصناعي في الجزائر: دراسة مقارنة مع دول المغرب العربي، مجلة المالية والأسواق، ص 101). انطلاقا من هذا الواقع الجزائري يصبح اقتصاد “المرادية” قابلا لاستراتيجيتين أمريكيتين تتوافقان مع السياسات الاقتصادية لدونالد ترامب:

-ملء الفراغ التحويلي الذي تعانيه الصناعة الجزائرية: خاصة وأن دونالد ترامب يبحث عن أسواق خارجية للاستثمار والتصدير البضائعي، وهو ما تُعتبَر الجزائر أرضا خصبة له إذا أخرجنا الحسابات السياسية التي قد تحول دون سماح الجزائر بذلك، والحديث هنا بالضبط عن العلاقة بين الجزائر ودول البريكس (خاصة الصين وروسيا)، ورغبتها في الحفاظ على الموقفين الروسي والصيني من قضية الصحراء المغربية.. في حين أن تقدم الصين وروسيا بخطوات في اتجاه الموقف المغربي، قد يجعلها تنفتح على الصناعات التحويلية الأمريكية حتى لا تخسر الرهان الاقتصادي مع الرهان السياسي. كيف يتدبر الجزائر هذا الانفتاح في ظل علاقتها القوية ب”البريكس”؟ هذا هو السؤال الذي يطلب جوابا دقيقا ومتوازنا من الجزائر.

-الاستثمار الأمريكي في النفط والغاز الحزائريين: وهو أمر غير مستبعد تحققه، بل قد يكون حاصلا في ظل حديث تقارير عن وجود نشاط اقتصادي أمريكي مهم في الجزائر (100 شركة/ عام 2022)، بالإضافة إلى تأكيد عدد من المراقبين الاقتصاديين اهتمام عدة شركات أمريكية بالاستثمار في الجزائر، خاصة في قطاعي النفط والغاز. إلا أن جزءا من هذا الاهتمام كان محكوما منذ 2022 بظروف العملية الخاصة لروسيا في أوكرانيا، وما نتج عنه من تراجع التدفق الطاقي الروسي في اتجاه أوروبا وأمريكا.. السؤال هو: إلى أي حد تستطيع الجزائر الحفاظ على استقطاب هذه الشركات في ظل سياسات ترابية وعدت بالاستقرار ووضع حد للحرب الروسية الاوكرانية، وكذا بقيت الحروب التي تعرقل معابر وممرات برية وبحرية؟!

يتجلى التحدي الكبير الذي يعرفه الاقتصاد الجزائري، والذي يجعله في موقع ضعف أمام السياسات الأمريكية الجديدة في ما يلي:

-قدرات الرأسمال الجزائري: وهي القدرات التي لم تتح لها السياسات النفطية الإمكانات الكافية للتقدم والبروز والاستثمار في مجالات مدنية متعددة. فالاعتماد شبه الكامل على عائدات النفط والغاز حال دون تكوين رأسمال مدني قوي، بل إن الجزائر متأخرة أيضا في الصناعات العسكرية، ولم تكد تبحث آفاقا للتصنيع العسكري إلا مؤخرا، رغم سياستها العسكرية الواضحة.

-السياسات المالية الجزائرية: حيث تعتمد الإيرادات على عائدات النفط والغاز بشكل كبير، وحيث يصرف جزء كبير من هذه الإيرادات في النفقات العسكرية. هذه السياسة المالية بالضبط تضعف الاستثمار الداخلي، وتجعل الإيرادات النفطية الكبيرة حبيسة سياسات عسكرية ضيقة لا تفي بغرض تأسيس قوة اقتصادية وطنية تقودها رأسمالية جزائرية قادرة على منافسة الرأسمال الأمريكي وغيره من الرأسمالات.

-السياسات الخارجية الجزائرية: وهي السياسات التي أدت إلى انحسار البدائل الاقتصادية والسياسية لدى الجزائر، وكأنها تود إخضاع المنطق الاقتصادي العالمي لمنطقها الضيق في تدبير ملف الصحراء المغربية.. فمن جهة ترفض الاعتراف الأمريكي بمغربية الصحراء فتقترب أكثر من “البريكس”، ومن جهة ترتقب تغيرا ملموسا في موقفي الصين وروسيا فتعزز علاقاتها بالولايات المتحدة الأمريكية.. ومن شأن انخراطها في الدينامية المغربية ان يحررها من هذه المعادلة شبه المستحيلة، في إطار مجاراة الموقف العالمي المتقدم تجاه قضية الصحراء المغربية، وأبرزه الموقف الأمريكي.