ميناء عصب… شرارة صراع جديد تهدد استقرار البحر الأحمر

21 نوفمبر 2025

تحرير: صفاء فتحي

يتحول ميناء عصب الإريتري على البحر الأحمر إلى واحدة من أكثر النقاط حساسية في المنطقة، مع تصاعد الخلاف بين إثيوبيا وإريتريا حول حق أديس أبابا في الوصول إلى منفذ بحري. هذا التوتر يعيد إلى الواجهة ملفات تاريخية معقدة، ويضع ما تبقى من السلام الهش بين البلدين أمام اختبار حقيقي، وسط تنافس دولي محموم على النفوذ في البحر الأحمر.

خلفية تاريخية تعود إلى الواجهة

كان ميناء عصب قبل استقلال إريتريا عام 1993 هو المنفذ البحري الأساسي لإثيوبيا، تصدر وتستورد منه معظم تجارتها. وبعد الاستقلال أصبحت إثيوبيا دولة بلا ساحل، ما دفعها للاعتماد شبه الكامل على ميناء جيبوتي. ومع أن هذه الترتيبات حافظت على استقرار مؤقت، فإنها لم تلغ حساسية الملف. فقد أعاد خطاب رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد عام 2023، حين وصف الوصول إلى البحر بأنه “قضية وجودية”، فتح النقاش حول ترتيبات ما بعد الاستقلال، وهو ما اعتبرته أسمرة تهديدا غير مباشر لحدودها وسيادتها.

التصعيد الميداني وتبادل الاتهامات

تطورت الأزمة من خلاف سياسي إلى توتر ميداني. تقارير عديدة تحدثت عن تجربة صاروخية إريترية قرب ميناء عصب في فبراير 2025، بالتزامن مع حشد عسكري على الحدود مع إقليم عفر الإثيوبي. ومن جانبها، اتهمت أديس أبابا إريتريا أمام الأمم المتحدة بأنها “تستعد للحرب”. وفي المقابل، رفضت أسمرة كل المقترحات التي تمنح إثيوبيا منفذا بحريا عبر ترتيبات مشتركة، معتبرة أن الموانئ شأن سيادي خالص، في رسالة واضحة بأن أي تقاسم للسيادة غير قابل للنقاش.

حسابات إثيوبيا: الحاجة الاقتصادية وأزمة الداخل

تعتمد إثيوبيا على ميناء جيبوتي بنسبة تفوق 90% من تجارتها، وهو وضع يضعها في موقع هش اقتصاديا وجيوسياسيا. ومع الضغوط الداخلية بعد حرب تيغراي والتوترات المستمرة في عدة أقاليم، يصبح ملف “الحق في البحر” ورقة سياسية حساسة يستخدمها آبي أحمد لتوحيد الداخل وتخفيف الضغط الشعبي. ورغم تأكيده أن أديس أبابا لا تريد حربا، فإن الحاجة الاقتصادية الملحة تجعل موقفه أكثر إصرارا.

حسابات إريتريا: السيادة قبل كل شيء

ترى إريتريا أن أي نقاش حول منفذ بحري لإثيوبيا قد يفتح الباب لإعادة النظر في حدود تعتبرها محسومة منذ الاستقلال. ورغم أنها تدرك أهمية الاستقرار الإقليمي، فإنها تخشى أن تتحول الترتيبات الاقتصادية إلى نفوذ سياسي إثيوبي على مناطقها الساحلية، وهو ما يتعارض مع فلسفة النظام السياسي الإريتري المبنية على الاستقلال الكامل ورفض أي وصاية.

التنافس الدولي على البحر الأحمر

لا ينحصر التوتر حول ميناء عصب في الإطار الثنائي بين إثيوبيا وإريتريا، بل يرتبط بتحولات أوسع في البحر الأحمر الذي بات منطقة جذب للقوى الكبرى. فالتقاطع بين المصالح الأميركية والصينية والروسية، إضافة إلى الدور المتنامي للدول الخليجية وتركيا، جعل هذا الممر البحري منطقة استراتيجية ذات حساسية عالية. ويقع ميناء عصب على مقربة من مضيق باب المندب، أحد أهم شرايين التجارة العالمية، ما يمنح الأزمة أبعادا تتجاوز حدود البلدين. أي اضطراب في هذه المنطقة قد ينعكس على أمن الملاحة وإمدادات الطاقة، وهو ما يفسر المتابعة الدولية الدقيقة لكل خطوة تتخذها أديس أبابا أو أسمرة.

الهشاشة الإثيوبية وتأثيرها على مسار الأزمة

برغم الاتفاق الذي أنهى حرب تيغراي، ما تزال الساحة الإثيوبية تعاني هشاشة سياسية وأمنية. وتشير تحليلات بحثية إلى أن إثارة ملف المنافذ البحرية قد يكون جزء من محاولة الحكومة توظيف خطاب قومي لتعزيز تماسكها الداخلي. كما أن تقارير تتحدث عن تحركات إثيوبية لاستمالة مجموعات عفرية داخل إريتريا، وهو تحول خطير قد يزج بالأزمة في مسار صراع هويات محلية تتداخل فيه السياسة بالقبيلة.

مسار التهدئة: خيارات متاحة ولكنها معقدة

تتجه المبادرات الإقليمية والدولية إلى الدعوة لحوار مباشر يحدد إطارا واضحا لاستخدام الموانئ الإريترية دون المساس بالسيادة، وهو خيار قد يسمح لإثيوبيا بتقليل اعتمادها على جيبوتي، مع الحفاظ على مصالح أسمرة الحيوية. كما يطرح خيار إنشاء آلية إقليمية تحت إشراف الاتحاد الأفريقي لتنظيم التعاون البحري ومنع التصعيد العسكري، إلى جانب ترتيبات اقتصادية واستثمارية مشتركة تقلل المخاوف المتبادلة. ورغم أن هذه المسارات معقدة وتتطلب تنازلات مؤلمة من الطرفين، فإنها تظل أقل كلفة من انزلاق المنطقة نحو مواجهة مفتوحة.

تحول ميناء عصب من مرفق تجاري إلى نقطة ارتكاز في صراع جيوسياسي تتداخل فيه المصالح الإقليمية والدولية. مستقبل الأزمة سيحسم بقدرة إثيوبيا وإريتريا على اختيار مسار الحوار، أو الاستمرار في التصعيد الذي قد يفتح الباب أمام اضطرابات جديدة في البحر الأحمر والقرن الأفريقي، وهي منطقة لم تعد تتحمل نزاعات إضافية.