بعد اغتيال علي خامنئي.. الحرس الثوري يدفع بابنه مجتبى إلى قمة السلطة لإنقاذ النظام

تحرير: هالة البصير
أعلن مجلس خبراء القيادة في طهران تعيين مجتبى خامنئي مرشدا أعلى للجمهورية الإسلامية الإيرانية خلفا لوالده علي خامنئي، الذي قتل في عملية اغتيال استهدفت مجمعه السكني أواخر فبراير الماضي، في خطوة تعكس حجم الارتباك الذي يعيشه النظام الإيراني بعد الضربات السياسية والعسكرية التي طالت بنيته القيادية وأدخلت مراكز القرار في حالة غير مسبوقة من التوتر والاضطراب.
ويأتي هذا التعيين في لحظة مفصلية تمر بها الجمهورية الإسلامية، حيث تواجه طهران ضغوطًا داخلية وخارجية متزايدة، في ظل تصاعد المواجهة الإقليمية واتساع دائرة الاستهداف للبنية الأمنية والعسكرية المرتبطة بالنظام. وتشير تقديرات سياسية إلى أن اختيار مجتبى خامنئي لم يكن نتيجة توافق ديني تقليدي داخل المؤسسة الدينية، بل جاء أساسًا نتيجة حسابات القوة داخل النظام، وعلى رأسها الحرس الثوري الإيراني الذي يسعى إلى احتواء حالة الارتباك داخل هرم السلطة ومنع تفكك شبكة النفوذ التي بناها خلال العقود الماضية.
ويحاول الحرس الثوري، عبر الدفع بنجل المرشد المغتال إلى قمة السلطة، تثبيت نفوذه داخل مفاصل الدولة وضمان استمرار منظومة الحكم القائمة، في ظل مخاوف متزايدة داخل دوائر النظام من حدوث فراغ قيادي قد يؤدي إلى صراع داخلي بين مراكز القوة. ويُنظر إلى مجتبى خامنئي داخل هذه المعادلة باعتباره الخيار الأكثر قدرة على حماية مصالح المؤسسة العسكرية والأمنية، بحكم علاقاته الوثيقة بقيادات الحرس الثوري وشبكات النفوذ المرتبطة به داخل أجهزة الأمن والاستخبارات.
ولد مجتبى خامنئي عام 1969 في مدينة مشهد، وتلقى تعليمه الديني في الحوزة العلمية بمدينة قم، غير أن نفوذه الحقيقي لم يتشكل داخل الأطر الدينية التقليدية بقدر ما تبلور داخل الدوائر الأمنية المغلقة المرتبطة بـ«بيت المرشد». وخلال السنوات الماضية برز اسمه كواحد من أكثر الشخصيات تأثيرًا في صناعة القرار غير المعلن داخل النظام، حيث ارتبط بإدارة ملفات أمنية ومالية حساسة، إضافة إلى دوره في تنسيق العلاقة بين مكتب المرشد ومؤسسات القوة داخل الدولة.
كما ارتبط اسم مجتبى خامنئي بقمع الاحتجاجات التي شهدتها إيران عام 2009، حين اتُّهم بالإشراف على تحريك قوات الباسيج للمشاركة في احتواء الحركة الاحتجاجية التي هزت النظام آنذاك، وهو ما عزز صورته داخل الدوائر المتشددة باعتباره رجل الأمن القادر على حماية النظام في أوقات الأزمات.
ويأتي تنصيب مرشد أعلى جديد في وقت تعتبر فيه طهران أن الحفاظ على مركز القيادة الدينية والسياسية مسألة حيوية لاستمرار نفوذها الإقليمي. فإيران التي لم تتردد خلال السنوات الماضية في تبني سياسات هجومية ضد دول الخليج وتوسيع نفوذها عبر شبكات الحلفاء والجماعات المرتبطة بها في عدة مناطق، ترى في وجود مرجع أعلى للنظام ضرورة استراتيجية لضمان بقاء منظومة الولاءات المرتبطة بها.
فوجود مرشد أعلى جديد يمنح الجماعات الشيعية المنتشرة في عدة مناطق من العالم مرجعية سياسية ودينية واضحة بعد مقتل خامنئي، ويعيد تثبيت العلاقة التنظيمية والرمزية بينها وبين مركز القرار في طهران، بما يضمن استمرار ارتباطها السياسي والعقائدي بالنظام الإيراني. كما يُنظر إلى هذا التعيين باعتباره خطوة ضرورية للحفاظ على قنوات التنسيق بين طهران وتلك الشبكات، بحيث يتمكن المرشد الجديد من تمرير توجيهاته وإعادة ترتيب خطوط الاتصال معها في مرحلة توصف بأنها شديدة الحساسية بالنسبة للنظام الإيراني.
وفي هذا السياق، تمتلك طهران شبكة واسعة من الجماعات الشيعية المسلحة والسياسية المرتبطة بها في عدد من مناطق الشرق الأوسط وخارجه، من بينها حزب الله في لبنان، وكتائب حزب الله وعصائب أهل الحق ومنظمة بدر في العراق، إضافة إلى حركة أنصار الله في اليمن، إلى جانب تشكيلات مقاتلة مرتبطة بالحرس الثوري مثل لواء فاطميون الذي يضم مقاتلين شيعة من أفغانستان، ولواء زينبيون الذي يضم مقاتلين شيعة من باكستان. وتشكل هذه الشبكة أحد أهم أدوات النفوذ الإيراني خارج حدوده، إذ تعتمد عليها طهران في توسيع حضورها الإقليمي والضغط على خصومها، وهو ما يجعل وجود مرشد أعلى جديد قادر على توجيه هذه المنظومة والحفاظ على ولائها مسألة استراتيجية بالنسبة للنظام في مرحلة ما بعد خامنئي.
وفي ظل هذه التطورات، يعكس الدفع بمجتبى خامنئي إلى قمة هرم السلطة توجها متزايدا داخل الحرس الثوري نحو التشدد وتعزيز القبضة الأمنية داخل البلاد، في محاولة لمنع أي اهتزاز داخلي في بنية النظام. ويبدو أن المؤسسة العسكرية تتجه أكثر فأكثر نحو تبني نهج أقرب إلى سياسة «الأرض المحروقة» سياسيا وأمنيا، بهدف الحفاظ على تماسك النظام مهما كانت كلفة ذلك على المستويين الداخلي والإقليمي.



