مدرسة “غرينلاند” في كينيا.. فرصة ثانية للتعليم والحياة للأمهات المراهقات

7 أبريل 2026

تحرير: صفاء فتحي

تفتح مدرسة غرينلاند في كينيا أبوابها كل صباح لفتيات لا يدخلن الفصل الدراسي وهن يحملن فقط حقائبهن المدرسية، بل أيضا تجارب ثقيلة فرضتها عليهن الحياة في سن مبكرة. ففي هذا المكان الواقع على هامش واقع اجتماعي معقد، تحاول عشرات الأمهات المراهقات استعادة ما انقطع من تعليمهن، في تجربة نادرة داخل القارة الإفريقية تجمع بين الدراسة ورعاية الأطفال، وتمنح فرصة جديدة لفئة غالبا ما تدفع إلى الهامش بمجرد أن تصبح أما قبل الأوان.

لا تبدو المدرسة كمؤسسة تعليمية تقليدية بقدر ما تبدو كمساحة لإعادة ترتيب الحياة. هنا، تنتقل الطالبات بين قاعات الدرس والحضانة، بينما يبقى أطفالهن على مقربة منهن، في مشهد يلخص فكرة المدرسة كلها: ألا يكون التعليم ضحية نهائية للأمومة المبكرة. ومنذ تأسيسها سنة 2015 تحت إشراف منظمة “شاينينغ هوب فور كوميونيتيز” غير الربحية، وفرت المدرسة فرصة العودة إلى التعليم الثانوي لأكثر من 310 شابات، إلى جانب رعاية أكثر من ثمانين رضيعا، في محاولة لبناء نموذج بديل يعترف بالواقع بدل أن يعاقب عليه.

وسط هذا المشهد، تظهر قصص فردية تختصر المعنى الأعمق للتجربة. فاليري وايريمو، البالغة من العمر 19 عاما، واحدة من هؤلاء الفتيات اللواتي وجدن في المدرسة أكثر من مجرد مقعد دراسي. بعد حملها، لم تجد مكانا واضحا تتجه إليه، قبل أن تتحول هذه المؤسسة إلى فضاء يسمح لها بمواصلة تعليمها دون الانفصال عن رضيعها. وبين الحصص الدراسية وفترات الرضاعة، تعيش فاليري واقعا مزدوجا يجمع بين دور الطالبة والأم، في صورة تعكس التحولات الصامتة التي تحاول المدرسة ترسيخها في حياة الفتيات.

ولا تنفصل هذه التجربة عن محيط اجتماعي لا يزال يتعامل مع الأمومة المبكرة باعتبارها نهاية لمسار الفتاة التعليمي. فالكثير من الطالبات يصلن إلى المدرسة بعد قطيعة مع الأسرة أو بعد فقدان الدعم الاجتماعي، ما يجعل المؤسسة تتجاوز دورها التربوي لتصبح أيضا نقطة احتواء نفسي واجتماعي. وتشير إدارة المدرسة إلى أن بعض الحالات تتطلب تواصلا مباشرا مع الأسر أو مع شخصيات محلية مؤثرة من أجل إقناعهم بتمكين الفتيات من العودة إلى الدراسة، وهو ما يكشف أن المعركة الحقيقية لا تدور فقط داخل الفصل، بل أيضا داخل البنية الاجتماعية التي تحدد من يحق له أن يبدأ من جديد.

في الحضانة التابعة للمؤسسة، يتخذ هذا الدعم شكلا آخر أكثر هدوءا وأشد حساسية. فالعاملات هناك لا يعتنين فقط بالأطفال، بل يواكبن أيضا أمهاتهم الشابات في تعلم أبسط تفاصيل الرعاية اليومية، من التغذية إلى التواصل العاطفي. وتبرز داخل هذه المساحة ملامح هشاشة إنسانية واضحة، إذ تجد بعض الفتيات صعوبة في التكيف مع مسؤولية الأمومة، أو في تقبل هذا التحول المفاجئ في حياتهن. لذلك، يصبح تعليمهن كيف يعتنين بأطفالهن جزء موازيا لتعليمهن الأكاديمي، وكأن المدرسة تكتب مسارين في وقت واحد: مسارا دراسيا، ومسارا لإعادة بناء الذات.

وتكتسب هذه التجربة بعدا أوسع حين توضع داخل السياق الكيني والإفريقي عموما، حيث لا يزال الحمل المبكر أحد أبرز أسباب انقطاع الفتيات عن الدراسة. وتشير المعطيات الوطنية في كينيا إلى أن أكثر من 125 ألف رضيع ولدوا لأمهات دون سن التاسعة عشرة خلال عام 2024، في رقم يعكس حجم التحدي الذي تواجهه المنظومة التعليمية والاجتماعية في آن واحد. وفي مجتمعات تتقاطع فيها الهشاشة الاقتصادية مع الأعراف الاجتماعية وضعف الوصول إلى الدعم، تتحول العودة إلى المدرسة بالنسبة إلى كثير من الفتيات إلى معركة شخصية ومؤسساتية في الوقت نفسه.

من هنا، لا تبدو غرينلاند مجرد مدرسة، بل أقرب إلى تجربة اجتماعية تعليمية تحاول اختبار إمكانية مختلفة لمصير الفتيات في إفريقيا. فبدل أن ينظر إلى الأمومة المبكرة باعتبارها قطيعة نهائية مع المستقبل، تقترح هذه المؤسسة تصورا آخر يقوم على الاستمرار، وعلى منح الفتاة حق استعادة مسارها دون محو واقعها أو التنكر له. ومع إعلان المدرسة عزمها فتح فرع ثان في مقاطعة كيليفي استجابة للطلب المتزايد، تتوسع التجربة من حالة محلية إلى مؤشر على حاجة أوسع داخل القارة إلى نماذج تعليمية أكثر مرونة وإنصافا.

وفي بلد مثل كينيا، حيث ما تزال فرص التعليم مرتبطة في كثير من الأحيان بالقدرة على تجاوز العقبات الاجتماعية والاقتصادية، تبدو هذه المدرسة وكأنها تعيد تعريف معنى العودة إلى الفصل الدراسي. فهي لا تمنح الأمهات المراهقات فرصة لمواصلة التعلم فحسب، بل تمنحهن أيضا ما هو أعمق: الإحساس بأن الحياة، حتى بعد انقطاعها القاسي، يمكن أن تستأنف من جديد.