“خطة ماتي” الإيطالية.. استثمار في التنمية أم إعادة تموضع جيوسياسي في العمق الإفريقي؟

تحرير: صفاء فتحي
تسعى إيطاليا إلى إعادة صياغة حضورها في القارة الإفريقية من خلال “خطة ماتي”، التي تم إطلاقها سنة 2024 كمبادرة استراتيجية تهدف إلى إرساء نموذج تعاون قائم على الشراكة المتكافئة والمصالح المتبادلة، في سياق دولي يتسم بتزايد الرهانات الجيوسياسية المرتبطة بالطاقة والهجرة والتنمية. وتندرج هذه المبادرة ضمن توجه أوروبي أوسع لإعادة تموقع القارة العجوز في إفريقيا، في ظل تصاعد أدوار فاعلين دوليين جدد.
وتعتمد الخطة على مقاربة متعددة القطاعات تشمل التعليم والصحة والمياه والزراعة والطاقة والبنية التحتية، مع توسيع نطاق التعاون ليشمل مجالات التكنولوجيا المتقدمة، بما في ذلك الذكاء الاصطناعي والفضاء. وقد تم تقديم ملامحها خلال القمة الإيطالية الإفريقية في روما، حيث تم التأكيد على إشراك الدول الإفريقية في مختلف مراحل بلورة المشاريع وتنفيذها، في محاولة لتجاوز أنماط التعاون التقليدية التي كانت تفتقر إلى التوازن في توزيع الأدوار والمنافع.
ويحتل قطاع الطاقة موقعا محوريا ضمن هذه الاستراتيجية، إذ تراهن إيطاليا على تعزيز دورها كحلقة وصل لنقل الموارد الطاقية الإفريقية نحو أوروبا، خاصة الغاز الطبيعي، في ظل التحولات التي يشهدها السوق العالمي للطاقة. ويوازي هذا التوجه دعم مشاريع الطاقات المتجددة وتحسين كفاءة استغلال الموارد، بما يعكس سعيا لتحقيق توازن بين متطلبات الأمن الطاقي والانتقال نحو اقتصاد منخفض الكربون.
ورصدت الحكومة الإيطالية موارد مالية أولية تقدر بنحو 5.5 مليارات يورو لتمويل المرحلة الأولى من الخطة، مدعومة بآليات تمويل متعددة وشراكات مع مؤسسات دولية، ما يعكس طموحا لتوسيع نطاق المبادرة وضمان استمراريتها. كما تم إطلاق مشاريع تجريبية في عدد من الدول الإفريقية، إلى جانب اتفاقيات ثنائية، من بينها شراكات مع كينيا في مجالات التكوين المهني والبحث العلمي، في مؤشر على دخول الخطة مرحلة التنفيذ الفعلي.
وتثير هذه المبادرة تساؤلات حول مدى قدرتها على إحداث تحول نوعي في طبيعة العلاقات بين أوروبا وإفريقيا، خاصة في ظل التحديات المرتبطة بترجمة الأهداف المعلنة إلى نتائج ملموسة. وبين رهانات التنمية ومقتضيات المصالح الاستراتيجية، تظل “خطة ماتي” اختبارا عمليا لمدى إمكانية بناء نموذج شراكة أكثر توازنا في بيئة دولية تتسم بتنافس متزايد على النفوذ داخل القارة الإفريقية.



