مصر وإثيوبيا.. صراع النفوذ في القرن الإفريقي

تحرير: أفريكا آي
يشهد القرن الإفريقي منذ سنوات حالة من الغليان السياسي والعسكري، تتصدرها أزمة سد النهضة بين مصر وإثيوبيا، لكن التوتر لم يعد محصوراً في ملف المياه، بل امتد ليشمل أبعاداً جيوسياسية أوسع، خاصة بعد دخول الصومال على خط التنافس بين القاهرة وأديس أبابا.
سد النهضة.. جذور الخلاف المستمر
يعود التوتر بين مصر وإثيوبيا بالأساس إلى مشروع سد النهضة الذي شرعت أديس أبابا في بنائه على النيل الأزرق. فبينما ترى إثيوبيا في السد مشروعاً سيادياً لتوليد الطاقة الكهربائية والتنمية الاقتصادية، تنظر مصر إليه باعتباره تهديداً مباشراً لأمنها المائي، إذ تعتمد بنسبة تفوق 90% على مياه النيل. ورغم جولات التفاوض المتكررة، لم تنجح الأطراف في التوصل إلى اتفاق ملزم بشأن قواعد ملء وتشغيل السد، ما جعل الأزمة مفتوحة على كل الاحتمالات.
إثيوبيا والصومال.. نزاع السيادة والموانئ
تفاقم المشهد أكثر في يناير 2024 حين وقّعت إثيوبيا مذكرة تفاهم مع إقليم “صوماليلاند” المعلن من طرف واحد، تتيح لها استخدام ميناء على البحر الأحمر مقابل الاعتراف باستقلال الإقليم. الخطوة اعتبرتها الحكومة الصومالية المركزية انتهاكاً صارخاً لسيادتها، فأعلنت رفضها القاطع للاتفاق، واندلعت أزمة دبلوماسية بين مقديشو وأديس أبابا. ورغم نجاح الوساطة التركية في أواخر 2024 عبر “إعلان أنقرة”، فإن الشكوك حول نوايا إثيوبيا لم تتبدد.
مصر تدخل الساحة الصومالية
في خضم هذه التطورات، تحركت القاهرة لتوطيد حضورها في الصومال، مستثمرة الخلاف الصومالي – الإثيوبي لتعزيز موقعها الإقليمي. فقد وقّعت مصر اتفاقية دفاعية مع مقديشو في أغسطس 2024، وشملت تزويد الجيش الصومالي بالأسلحة والتدريب، إضافة إلى إعلان نيتها نشر ما يصل إلى عشرة آلاف جندي، نصفهم ضمن مهمة الاتحاد الإفريقي الجديدة في الصومال (AUSSOM)، والنصف الآخر بشكل مستقل قرب الحدود مع إثيوبيا.
القاهرة بررت هذه الخطوة بأنها تأتي في إطار دعم استقرار الصومال ومواجهة الإرهاب، غير أن مراقبين يرون فيها ورقة ضغط استراتيجية على إثيوبيا، ورسالة مفادها أن أزمة سد النهضة لا تنفصل عن التوازنات الإقليمية الأوسع.
أديس أبابا ترى “تطويقاً”
إثيوبيا من جانبها اتهمت مصر بالسعي لتطويقها من الجنوب، وتوظيف الصومال كقاعدة نفوذ جديدة ضدها، خصوصاً مع بروز محور ثلاثي يضم مصر والصومال وإريتريا، في مواجهة الطموحات الإثيوبية المتنامية. ويخشى قادة أديس أبابا أن تتحول الساحة الصومالية إلى مسرح صراع بالوكالة يفاقم أزماتها الداخلية والخارجية.
قرن إفريقي على صفيح ساخن
تتشابك هذه التطورات مع عوامل أخرى تزيد الوضع تعقيداً، من بينها تصاعد هجمات حركة الشباب في الصومال، والتنافس الدولي على الممرات البحرية الحيوية مثل باب المندب والبحر الأحمر. وفي ظل غياب تسوية حقيقية لأزمة السد، وتنامي النزاع الإثيوبي – الصومالي، يبدو أن التوتر بين القاهرة وأديس أبابا مرشح للاستمرار وربما التصعيد.
ختاماً
يمكن القول إن علاقة مصر بالصومال تجاوزت الطابع التقليدي للتعاون الثنائي، لتتحول إلى جزء من معادلة إقليمية كبرى تستهدف موازنة النفوذ الإثيوبي. وبينما تواصل أديس أبابا المضي في مشروعها النهضوي، تتمسك القاهرة بحقها في تأمين حصتها التاريخية من مياه النيل، ما يجعل القرن الإفريقي ساحة مركزية لتقاطع المصالح والصراعات، قد تحدد مآلات الاستقرار في واحدة من أكثر مناطق العالم حساسية.



