مؤسسات القارة الإفريقية // “النيباد”: مشروع النهضة الإفريقية في مواجهة تحديات الواقع

16 سبتمبر 2025

تحرير: أفريكا آي

منذ عقود، ظلّت إفريقيا حبيسة دوائر التبعية الاقتصادية والهشاشة السياسية، تدور في فلك أزمات متلاحقة من الفقر والنزاعات وضعف البنية التحتية. غير أن مطلع الألفية الثالثة حمل بارقة أمل حين قررت الدول الإفريقية، في خطوة غير مسبوقة، أن تبادر إلى صياغة مشروع تنموي خاص بها، بقيادة إفريقية صرفة، لا يُملى من الخارج ولا يقوم على المساعدات المشروطة، بل على مبدأ الشراكة الحقيقية والمسؤولية المشتركة. من هنا وُلدت “النيباد” أو “الشراكة الجديدة لتنمية إفريقيا”، كمبادرة استراتيجية أطلقتها منظمة الوحدة الإفريقية سنة 2001، وتحولت لاحقًا إلى أحد أهم أذرع الاتحاد الإفريقي تحت اسم وكالة التنمية التابعة للاتحاد الإفريقي (AUDA‑NEPAD).

تقوم فلسفة النيباد على مبدأ أن القارة الإفريقية تملك من الموارد والإمكانات البشرية ما يؤهلها لتحقيق نهضتها، شريطة توفر الرؤية الواضحة والحوكمة الرشيدة والتعاون القاري الفعّال. وقد جاءت المبادرة في وقت كانت فيه القارة تتعافى من إرث طويل من الاستعمار، والصراعات المسلحة، والدول الهشة، والديون التي أنهكت اقتصاداتها. لذلك، لم تكن النيباد مجرد خطة اقتصادية، بل مشروعًا حضاريًا يروم إعادة صياغة علاقة إفريقيا بذاتها، وتحرير إرادتها التنموية من التبعية.

خلال العقدين الماضيين، حققت النيباد مكاسب مهمة في مجالات متعددة، لا سيما على صعيد البنية التحتية والتكامل الإقليمي، إذ دعمت مشاريع استراتيجية مشتركة بين عدة دول، في مجالات النقل والطاقة والربط البيني، من خلال خطة عمل البنية التحتية القارية (PIDA). كما أسهمت في تفعيل اتفاقية التجارة الحرة القارية الإفريقية، التي تعدّ أكبر تكتل تجاري في العالم من حيث عدد الدول، ما يعزز فرص التكامل الاقتصادي والنمو المستدام في القارة.

وفي مجال التنمية البشرية، كان للنيباد دور في دعم برامج التعليم والصحة، وتعزيز قدرات النساء والشباب، إضافة إلى العمل على مكافحة الأمراض المتوطنة وتطوير الزراعة من خلال برامج الأمن الغذائي والاستثمار الزراعي. ووفق تقارير رسمية للاتحاد الإفريقي، فإن أكثر من 18 ألف مشروع صغير ومتوسط استفاد من برامج النيباد في السنوات الأخيرة، في مجالات التكوين، التمويل، والولوج إلى الأسواق.

لكن رغم هذا التقدم، لا تزال الفجوة بين الطموحات والواقع قائمة. فالكثير من المشاريع تظل رهينة بطء التنفيذ، أو ضعف التنسيق بين الدول، أو محدودية التمويل. كما أن عدداً من البلدان الإفريقية تعاني من أزمات داخلية تُعيق تنفيذ الاستراتيجيات المشتركة. فضلاً عن ذلك، تطرح مسألة الحوكمة تحديًا كبيرًا، إذ أن بعض الدول تفتقر إلى مؤسسات قوية وشفافة تضمن حسن استخدام الموارد، وتكافح الفساد، وتحمي المال العام.

التقارير الأممية والإفريقية تؤكد أن أكثر من 59 مليون شخص انزلقوا إلى الفقر المدقع في إفريقيا منذ بداية أزمة كوفيد-19، كما أن أكثر من 140 مليون إفريقي يعيشون اليوم تحت تهديد انعدام الأمن الغذائي. وهذه الأرقام تعكس هشاشة المنجز التنموي في القارة، وتُبرز الحاجة الملحّة لإعادة توجيه سياسات النيباد نحو مزيد من الواقعية، والارتباط بالحاجيات اليومية للمواطن الإفريقي.

إن التحديات التي تواجه النيباد ليست مجرد عراقيل تقنية، بل هي نتاج لعوامل بنيوية تتطلب مراجعة شاملة لمنظومة التنمية الإفريقية. فلا تنمية بدون استقرار سياسي، ولا استثمار بدون قضاء مستقل وشفافية، ولا تكامل إقليمي بدون إرادة سياسية حقيقية. كما أن مسألة التمويل تبقى محورًا أساسيًا، فالدول الإفريقية مطالَبة اليوم بإيجاد آليات داخلية لتعبئة الموارد، وتقليل الاعتماد على القروض والمساعدات الخارجية، من خلال تحسين الجباية، ومحاربة التهرب الضريبي، وتنويع الاقتصاد.

في المقابل، يراهن كثيرون على أن النيباد لا تزال تحتفظ بزخمها الرمزي والاستراتيجي، كإطار إفريقي خالص قادر على توحيد الجهود نحو مستقبل أفضل. وهي مطالَبة اليوم، أكثر من أي وقت مضى، بأن تتجه من منطق الخطط الكبرى إلى منطق الإنجازات الملموسة، وأن تُدمج البُعد البيئي ضمن أولوياتها، خاصة في ظل التغيرات المناخية التي تضرب الزراعة والمياه والطاقة في إفريقيا.

ختامًا، يمكن القول إن النيباد تمثل واحدة من أرقى التجارب القارية في التفكير التنموي الجماعي، وهي تعكس روحًا جديدة تسعى إلى تجاوز إرث الاستعمار والتبعية، وبناء إفريقيا من الداخل، بأيدي أبنائها، ولصالح شعوبها. غير أن نجاح هذا المشروع يظل رهينًا بمدى قدرة الدول الإفريقية على تجاوز خلافاتها، وتوحيد استراتيجياتها، وتقديم الإنسان الإفريقي في قلب أولوياتها، لا في هامش القرارات.