موقع إفريقيا في “عالم المناطق الأربع”.. نظرة ألكسندر دوغين

19 سبتمبر 2025

محمد زاوي

في مقال سابق جاء بعنوان “أي موقع للمغرب وإفريقيا في فكرة أوراسيا”، كنا قد ذكرنا أن ألكسندر دوغين، المنظر الجيوسياسي الروسي، يعرِّف إفريقيا بما يسميه “الحزام الأوروبي الإفريقي”، ويرى أن “الأوراسية تدعم تقوية الوضع الاستراتيجي والاقتصادي السياسي الإقليمي للاتحاد الأوروبي وتعتقد أنه قادر على أن يصبح الزعيم الجيوسياسي للحزام الأوروبي الإفريقي” (ألكسندر دوغين، الخلاص من الغرب، ص 130)؛ وذلك على النقيض من المصالح الأمريكية في إفريقيا، بل في الاتحاد الأوروبي نفسه، أي في عموم هذا “الحزام” كما يصفه دوغين.

إن دمج دوغين لقارة بأكملها، بتاريخها واقتصادها ونظامها الخاص، في حلف تقوده أوروبا الغربية (الاتحاد الأوروبي)، هو ما يجعله يقلل من الحديث عن الدور الإفريقي في العالم الجديد، أي في مستقبل التقاطب العالمي.. ينظر دوغين إلى الأقطاب والمناطق العالمية من وجهة نظر “الجيوبولتيك الأورواسي”، ولذلك تجده يقيم “وجود المناطق والمحاور والأقطاب” بمدى تأثيرها على روسيا وبمدى علاقتها بها، ولعله لذلك قال في كتابه “نظرية عالم متعدد الأقطاب”: “دعنا نترك جانبا الوضع في منطقة شمال إفريقيا على أنه لا يؤثر بشكل مباشر على المصالح الاستراتيجية لقلب الأرض” (ألكسندر دوغين، نظرية عالم متعدد الأقطاب، دار استفهام/ دار سؤال، الطبعة الأولى، 2023، ص 281-282)؛ و”قلب الأرض” بالنسبة إليه هي أوراسيا ومركزها روسيا.

التقييم هنا لا يتم على أساس “الموضوعية العامة”، وإنما على أساس “الموضوعية الروسية”؛ أي على أساس ما به تتحقق مصالحها الجيوسياسية ولما به تعزز نفوذها عالميا وإقليميا.. وهذا نوع من “الشوفينية الجيوسياسية”، وإن قدمها دوغين في قالب مناهضة الغرب واحترام الخصوصيات. فهنا يجب أن نسائله: كيف تحافظ إفريقيا على خصوصيتها في ظل مركزية أوروبية تقود “الحزام الأوروبي الإفريقي”؟! وكيف تتموقع الدول الإفريقية الأطلسية (المطلة على البحر والمحيط/ البحرية غير الأرضية بتعبيره) تموقعا يخدم مصلحتها في ظل هيمنةٍ لـ”جيوبولتيك الأرض”؟! وكيف يكون “حزام” دوغين في مصلحة دول إفريقية لتوها تتحرر من تبعات الإمبريالية الأوروبية؟!

يقسّم دوغين العالم إلى أربع مناطق هي: “منطقة القارتين الأمريكيتين” (مركزها الولايات المتحدة الأمريكية)، و”منطقة أوروبا وإفريقيا” (مركزها الاتحاد الأوروبي)، و”منطقة أوراسيا” (مركزها روسيا)، و”منطقة المحيط الهادئ” (مركزها الصين).. وما يهمنا هنا هو تعريفه المنطقة الثانية (منطقة أوروبا وإفريقيا) بقوله: “من الواضح أن قطب هذه المنطقة هو الاتحاد الأوروبي، الزعيم السياسي والاقتصادي بلا منازع داخل هذه الحدود ومركز الثقل لمنطقة الطول بأكملها. نحن نفكر في سيناريو متعدد الأقطاب، وبالتالي، نعتقد افتراضيا أنه في مثل أوروبا هذه يسود توجه قاري، وتضعف الروابط عبر الأطلسي، أو تتفكك أو تنكسر، ويتحول كل اهتمام أوروبا الاستراتيجي إلى الجنوب” (نفس المرجع، ص 257-259).

وكأن أوروبا -حسب رؤية دوغين- لأول مرة “ستحول اهتمامها الجنوب”؛ في حين أن ما لا ينتبه إليه الاستشراف الجيوسياسي الأوراسي هو أن العلاقة “أوروبا-إفريقيا” محكومة بمعيقات تتجاوز الإرادات، وإنما هو تاريخ من الاستغلال الاقتصادي-السياسي الذي كرّس واقعين:

-واقع مرتبط بأوروبا نفسها، إذ أصبح رأسمالها مرتبطا ارتباطا عضويا بالرأسمال الأمريكي في إطار مركز رأسمالي واحد لا ندري كيف ستتحرر منه أوروبا عسى تلتحق باستراتيجية دوغين؟!

-واقع إفريقي لا يرى في النموذج الأوروبي نموذجا للتحرير، ولذلك بحثت كافة الدول الإفريقية عن بديل منافس للمستعمر القديم الأوروبي (الإسباني/ البرتغالي/ الإيطالي/ البريطاني/ الفرنسي/ الألماني/ البلجيكي/ الخ)، توازن به الوجود الاستعماري القديم-الجديد؛ فكان هذا البديل إما روسيا أو أمريكيا أو صينيا، الخ.

إن الفضاءات الثلاثة الكبرى المكوِّنة لـ”حزام أوروبا-إفريقيا”، تلك التي يسميها دوغين: “الفضاء الأوروبي”، و”الفضاء العربي الإسلامي الكبير”، و”فضاء إفريقيا عبر الصحراء” (نفس المرجع، ص 258)؛ هذه الفضاءات لا تستقل ولا ترتبط بمحض إرادة جيوسياسية، وإنما هو واقع جيوسياسي موضوعي يحكمها ولا يسمح لها بخيارات تكتيكية لا محدودة -أو كثيرة على الأقل-، مهما غدت أكثر انفتاحا على “الاستراتيجية الأوراسية” مستقبلا.. وهكذا، فإن الطريق إلى استراتيجية الاستقلال الكامل يمرّ لا محالة عبر خيارات تكتيكية يقل فيها هامش المبادرة، بما في ذلك المبادرة الروسية نفسها، في ظل الوجود الأمريكي الجديد (التركيز على المنافسة الاقتصادية)، والصعود الصيني الذي لا يتماهى مع استراتيجية أوراسيا وإن تقاطع معها حسب ما يخدم مصالحه.