العلاقات المغربية الروسية (1) // الجغرافيا مدخلاً للفهم

محمد زاوي
يحتل المغرب موقعا استراتيجيا في الخريطة العالمية، يقع وسط الخريطة متوسطا خمس قارات، قارته إفريقيا جنوبا، أستراليا وآسيا شرقا، أوروبا شمالا، الأمريكيتين غربا. وهذا يعني أنه بوابة –من بين أبواب أخرى-لأوراسيا على إفريقيا، كما أنه بوابة لخصومها الغربيين (أمريكا خاصة) على نفس القارة.
بين المغرب وأوراسيا، روسيا الاتحادية أساسا، مساحات شاسعة غربا وشرقا. غربا، تفصله عن روسيا دول أوروبا، الغربية منها ثم الشرقية. وشرقا، تفصله عنها دول الوطن العربي ثم تركيا. هناك مشتركان جغرافيان إذن بين المغرب وروسيا، الأول ينتمي إلى منطقة الشمال والثاني إلى منطقة الجنوب، الأول أطلسي والثاني أرضي، إذا أردنا استلهام “لغة” ألكسندر دوغين.
وكما يقع المغرب وسط الخريطة، فإن روسيا تسمى عند بعض الجيوسياسيين الروس “قلب الأرض”، هي أيضا تتوسط مجالين غربي وشرقي، أو أطلسي وأرضي بلغة أخرى. كما أنها تشكل معبرا غربيا لآسيا وأستراليا والعكس.
يشكل المغرب جزيرة خاصة في علاقته بقارته، بالمغرب العربي والوطن العربي أيضا، رغم الحدود البرية المشتركة بينه وبين هذه المساحات الجغرافية. ويفصله عن أوروبا البحر الأبيض المتوسط، وعن أمريكا المحيط الأطلسي. المغرب “أشبه بجزيرة في محيطه الجغرافي” كما قال العروي، وكما أكد في كتابه “استبانة” بقوله إن “ما نعلم، حين نعلم، هو أن الرقعة الأرضية التي نسميها المغرب لم تكن دائما على صورة ما نرى اليوم. تكونت بالتدريج بجبالها وسهولها وشواطئها. بالتدريج فصلها البحر عن الأندلس، بالتدريج فصلتها جبال الأطلس عن باقي المنطقة. ثم بالتدريج عمرتها أقوام جاءت من شتى الجهات” (عبد الله العروي، استبانة، الطبعة الثالثة، 2016، المركز الثقافي للكتاب، ص 55).
نفس الأمر يمكن قوله عن روسيا، تفصلها جبال الأورال عن آسيا، وبحر “أوخوتسك” عن اليابان، وبحار من المحيط المتجمد الشمالي عن الشمال، ودول أوروبا الشرقية عن الغرب؛ وتبقى هذه الأخيرة مصدر تهديد جيوسياسي لروسيا كحدود برية سهلة العبور، هو أشبه بالتهديد الذي يأتي المغرب من الصحراء الشرقية وحدود صحرائه المغربية، حيث ينشط الإرهاب والتهريب خلف حدوده هذه، أي في حدوده الوسطى بتعبير استراتيجي. وإذا كانت روسيا مهددة ب”النازية الجديدة” من حدودها الغربية، فإن المغرب مهدد ب”إرهاب إفريقي متأسلم” من حدوده الجنوبية ومن حدوده مع الجزائر. وذلك دون أنسى صدور هذين التهديدين عن نفس الاستراتيجية، تفكيك الدول ذات السيادة وإضعافها وإخضاعها للقرار الغربي والسيطرة الأمريكية لما بعد الحرب الباردة.
تبلغ مساحة روسيا 17,1 مليون كلومتر مربع، فيما تبلغ مساحة المغرب 710850 كلومتر مربع؛ أي أن مساحة روسيا تساوي حوالي 24 ضعفا من مساحة المغرب، ما يمنح روسيا قدرة أكبر على الزراعة والتصنيع والاستثمار والتنقيب الطاقي. ومن حيث المناخ، فيتسم المناخ المغربي بالتنوع حسب جغرافيته، بين المتوسطي والمحيطي والقاري والصحراوي، فيما يطغى على روسيا المناخ القاري بشتائه الرطب وما يوفره من قدرات زراعية أكبر.
وكما تتنوع التركيبة البشرية لسكان المغرب، تتنوع تركيبة سكان روسيا. وربما يعود ذلك في الأصل إلى الموقع الجغرافي لكل منهما كجغرافيا وسيطة بين جغرافيات أخرى، وربما يعود إلى ما تعرض له البلدان من هجمات أجنبية ومن محاولات للإلحاق. يتعايش في المغرب العربي والأمازيغي، الإفريقي وصاحب البشرة البيضاء، الصحراوي والشمالي، الإسلامي والعبري. وفي روسيا، يتعايش الروس كعرق غالب، والتتار والأوكرانيون والبشكيريون والتشوفاش والشيشانيون والأرمينيون وغيرها من الأقليات. ويقتضي هذا التنوع نوعا من التعامل الخاص، أسفر في روسيا عن مشاريع “الحكم الذاتي”، وفي المغرب عن مشروعي “الحكم الذاتي” في الأقاليم الجنوبية و”الجهوية الموسعة” في باقي الأقاليم.
(يتبع)



