العلاقات المغربية الروسية (2) // في التاريخ الإمبراطوري

20 سبتمبر 2025

محمد زاوي

لروسيا تاريخ إمبراطوري قديم. تأسست دولتها القديمة “روس كييف” عام 930 م (حتى عام 1000 م) على يد السلاف الشرقيين والفايكينغ، ثم خلفتها “إمارة فلاديمير الكبرى” (1157-1547 م) بعد توسعها على أساس مسيحي أرثوذكسي لا وثني وبعد هزمها تغولَ الغزوِ المغولي للأراضي الروسية. وفي منتصف القرن 16 –تقريبا-، عام 1547، “بدأ الحكم القيصري في روسيا، وذلك عندما توج إيفان الرابع الملقب بالرهيب أميرا لموسكو، وحمل لقب قيصر لكل روسيا وحكم بين عامي (1547-156 م)، وفي عهده اتخذت الإيديولوجية الدينية “الأرثوذكسية” والسياسية لروسيا شكلها النهائي. وفي عام 1721 تلقب بطرس الأكبر بلقب إمبراطور روسيا القيصرية. وجدير بالذكر، بأن مساحة روسيا القيصرية بلغت في أواخر القرن التاسع العشر الميلادي 22 مليون كلومتر مربع، وامتدت على مساحة 50 في المئة من أوروبا و40 في المئة من آسيا، وضمت أكثر من 126 قومية” (طالب الدغيم/ باحث متخصص في التاريخ المعاصر، التطور التاريخي لروسيا: ماضيها وحاضرها، مركز إدراك للدراسات والاستشارات، 2022، من ص 5 إلى ص 9).

نفس السمة التاريخية، الإمبراطورية، تصدق على المغرب. فبعد أن وحّد المرابطون البلاد وجعلوا منها إمبراطورية تمتد إلى حدود المحيط الأطلسي غربا، والأندلس شمالا، وبلاد شنقيط وحوض نهر السنغال جنوبا، وطرابلس شرقا؛ انحسرت جغرافيتها البرية جنوبا على يد الموحدين، إذ اقتصر نفوذهم السياسي والثقافي على المغرب إلى حدود طرابلس، وعلى الأندلس إلى حدودها مع طليطلة. وبمجيء المرينيين ازدادت الإمبراطورية المغربية انحسارا، رغم توسعهم شرقا إلى غاية الحدود المصرية وجنوبا نحو الصحراء، ورغم حفاظهم على الوجود المغربي في الأندلس.

وبمجيء السعديين، كانت الحدود المغربية قد انحسرت بشكل غير مسبوق، ولم تعد تمتد إلى الأندلس شمالا، ولا إلى المغرب الأوسط والحدود مع مصر شرقا، رغم امتدادها إلى مالي جنوبا. وربما نتج هذا الانحسار عن التهديدات الخارجية التي ألزمت السعديين وضعية الدفاع عن النفس، فانشغلوا بمواجهة الاحتلال البرتغالي لمعظم السواحل المغربية والمساعي العثمانية لإلحاق المغرب بدولتهم الإمبراطورية.

وقد حافظت الدولة العلوية، بعد توليها حكم المغرب، على سمته الإمبراطورية بالحفاظ على علاقة المغرب بعمقه الإفريقي (غرب إفريقيا)، وبالتوسع جنوبا إلى غاية شنقيط؛ بل إن العلويين في عهد المولى إسماعيل ملأوا بنفوذهم المساحة الممتدة بين البحر الأبيض المتوسط شمالا وشاطئ نهر السينغال جنوبا، ثم بين المحيط الأطلسي غربا والحدود مع تلمسان شرقا.

وليس هذا البعد الإمبراطوري، بما هو سمة مشتركة بين المغرب وروسيا؛ ليس بالبعد الذي يجوز إهماله، بل هو بصمة عميقة في ذاكرة الدول الإمبراطورية، أو ذات التاريخ الإمبراطوري في الماضي. تحمل في ذاكرتها بقايا أعرافه وتقاليده، وتنظر إلى حاضر العلاقات بمنظاره أيضا. يدل على خصوصيتها الجيوسياسية، ومدى حاجتها إلى التوسع في حدودها البرية والبحرية درءا للمخاطر واستبعادا للتهديدات الأجنبية.

(يتبع)