العلاقات المغربية الروسية (3): العلاقة بالغرب

محمد زاوي
تتسم العلاقة بين روسيا والمغرب من جهة، والغرب من جهة أخرى، بالاضطراب والتشنج سرعان ما يظهران رغم فترات الهدوء والتفاهم بين الفينة والأخرى. ويعكس هذا الواقع خلافا عميقا بين:
– مجالين:
لا ينتمي لا المغرب ولا روسيا إلى مجال الغرب، بالرغم من التقاطعات المجالية والجغرافية بين الطرفين. تتقاسم روسيا مع الغرب الأوروبي جزءا من مجالها البري (الحدود الترابية الغربية) غربا، ومع أمريكا جزءا من مجالها البحري (المحيط الهادي) شرقا، إلا أنها تشكل من الناحية الجغرافية مجالا خاصا زاده التاريخ خصوصية كما تقدم. أما المغرب فيتقاسم مع الغرب بشقيه، الأوروبي والأمريكي، جزءا من مجاله البحري فقط، يفصله عن أمريكا المحيط الأطلسي وعن أوروبا البحر الأبيض المتوسط. جعلت الجغرافيا من روسيا أشبه بجزيرة بين الجبال والمناطق المتجمدة والبحيرات والأنهار، كما جعلت من المغرب شبه جزيرة أخرى بين سلسلة جبلية (جبال الأطلس) ومجالين بحريين (البحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي). ولم تتدخل الجغرافيا الطبيعية وحدها لصناعة هذا التميز المجالي، بل كان للجغرافيا البشرية تدخل أيضا، بفعل الهجرات من الشمال والشرق والجنوب بالنسبة للمغرب، ومن الغرب والشرق بالنسبة لروسيا. بعض هذه الهجرات كان بهدف استقرار مؤقت أو بهدف البحث عن معاش، وبعضها كان بشكل قسري غزوا أو استعمارا. تعرضت روسيا لغزو مغولي من الشرق، كما تعرضت لاستعمار نازي من الغرب (في عهد أودولف هتلر، الحرب العالمية الثانية). فيما تعرض المغرب لفتوحات إسلامية قادمة من الشرق، وغزو روماني واستعمار أوروبي قادهما الغرب.
– ثقافتين:
تختلف روسيا عن الغرب اختلافا ثقافيا، ليس من حيث الأعراف والتقاليد فقط، بل من حيث التدين والإيديولوجيا الدينية أيضا. فليس في المسيحية تأويل واحد، بل ثلاثة تأويلات رئيسية، تتفرع عنها أخرى فرعية. للكاثوليكية والبروتستانتية سياق خاص، كما أن للأرثودوكسية سياق آخر مختلف. ويزعم عدد من الباحثين حفاظ المسيحية الأرثودوكسية على الخصائص الأصيلة للمسيحية بحكم قرب مجالها (أوراسيا) من الشرق، شأنها شأن مسيحية الأقباط في مصر مثلا. لم تحافظ المسيحيتان الكاثوليكية والبروتستانتية على تلك الخصائص الأصيلة، بسبب ارتباطهما الوثيق بنمطي إنتاج: الإقطاع بالنسبة للأولى (تأويلات توما الأكويني)، والبورجوازية الصاعدة بالنسبة للثانية (تأويلات مارتن لوثر وكالفن). وما دام الاختلاف حاصلا بين مجالين في المسيحية، مجال المسيحية المشرقية ومجال المسيحية الغربية؛ فهو بين الإسلام المغربي والمسيحية الغربية أكثر تحققا. جاء الإسلام كاستجابة لتحدي التحريف الذي طال المسيحية عموما، أما الإسلام المغربي فهو في تماس مع التوسع الثقافي للغرب في إفريقيا وحدوده الثقافية في أوروبا نفسها.
– اقتصادين:
عرف الغرب الأوروبي انتقالا بديهيا، فرضه تطور قوى الإنتاج وعلاقاته داخل الغرب نفسه. فيما بقيت روسيا حبيسة إقطاع قيصري قديم، كما بقي المغرب حبيس نظامه القبلي الطبيعي. انتظرت روسيا الثورة البلشفية (1917) للخروج من نمطها القديم للإنتاج، والانتقال إلى نمط جديد هو “رأسمالية الدولة”، وهذه سرعان ما تحولت إلى رأسمالية بكل ما للرأسمال من خصائص الاستغلال والفساد على أيدي أحفاد الشيوعيين وبتدخل غربي. ولم يخرج المغرب من نظامه الطبيعي إلا بتدخل الغرب قسرا، بسياسة الديون أساسا، ثم بتشكيل استعماري عسكري وإداري حوّل ما تبقى من هذا النظام إلى نمط اجتماعي رأسمالي يوجهه الاستعمار (الفرنسي خاصة) لمصلحته. وكان من شأن انتقال الغرب من رأسمالية احتكارية باحثة عن الأرض إلى أخرى باحثة عن الإنسان وذاكرته وفطرته؛ كان من شأن ذلك أن يعرّض روسيا والمغرب لاستهداف جديد هو الرأسمال الأمريكي المعولَم بعملته (الدولار) وبنوكه ومؤسساته الاقتصادية (صندوق النقد الدولي مثلا) وشركاته متعددة الجنسيات ومافياته ومنظماته غير الحكومية، إلخ. نفس المعركة يخوصها كل من المغرب وروسيا اليوم، رأسمال وطني على النقيض من آخر أجنبي غربي ومعولَم.
– سياستين:
على المستوى السياسي، تقوم الهيمنة الاقتصادية الغربية (الأمريكية خاصة) على السيطرة، على مقدرات العالم الطبيعية والبشرية. هذا هو العالم الوحيد الذي يخدم أمريكا “الديمقراطيين” (الستراسينيين والمحافظين الجدد)، وغيره بالنسبة إليها (عكس أمريكا الجمهوريين/ الظاهرة الترامبية) تهديد لأمنها القومي والاستراتيجي، بل لمصالح الرأسمال المالي الأمريكي. بهذا وانطلاقا منه، يشكل المغرب وروسيا معه نقيضا سياسيا وثقافيا (اقتصاديا أيضا) لسياسة العولمة. وهناك أمر آخر لا بد من الانتباه إليه، وهو مرتبط بطبيعة الحكم في كل من روسيا والمغرب. تستمد أصولها في المغرب من “دولة السلطان/ المخزن”، فيما تستمد أصولها في روسيا من “دولة القيصر”. وذلك عكس طبيعة الحكم في أوروبا وأمريكيا، حيث اتخذت بورجوازية الغرب الصاعدة –في بداياتها وزمن صراعها مع الإقطاع-من الفكر السياسي الإغريقي وعاء إيديولوجيا وسياسيا قديما-جديدا لمصالحها. ولما كانت الإيديولوجيا مجرد وعاء، فقد أصبحت اليوم وعاء للاستغلال “وإنجازات البروباغندا الديمقراطية” بعدما كانت ثورية زمن الصراع بين الإقطاع والبورجوازية الصاعدة.
– استعمار ومقاومة:
في الوقت الذي كان فيه المغرب خاضعا للسيطرة الفرنسية، بموجب عقد الحماية الذي تم الانقلاب على بنوده من قبل الاستعمار الفرنسي؛ في هذا الوقت بالذات تعرضت روسيا (الاتحاد السوفييتي آنذاك) لأول تهديد يستهدف وجودها السياسي والاجتماعي الجديد، بعد حوالي 24 سنة من نجاح ثورة أكتوبر 1917 وفي ظل مجهودات قائمة لبناء وتحصين الدولة الجديدة (مهمة جوزيف ستالين)؛ ذلك هو التهديد النازي على الحدود الغربية لروسيا، والذي توِّج بعملية بربروسا عام 1941 بقيادة ألمانيا النازية وحلفائها (إيطاليا، المجر، رومانيا، كرواتيا إلخ)، ثم بعمليات أخرى بلغت ذروتها باستهداف هتلر لعاصمة الاتحاد السوفييتي موسكو.
صحيح أن فرنسا وألمانيا كانتا على طرفي نقيض في شروط الحرب العالمية الثانية، وصحيح أن الاتحاد السوفييتي دخل الحرب العالمية الثانية إلى جانب “الحلفاء” لأسباب موضوعية؛ إلا أن “الرأسمال هو الرأسمال” والقانون الذي يحكم الرأسمال الاحتكاري واحد. وهو ما يفسر الصراع بين الغرب والاتحاد السوفييتي، بين “الناتو” و”وارسو”، بعدما وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها لتبدأ حرب جديدة هي “الحرب الباردة”. كان الرأسمال الاحتكاري النازي أبشع الرأسمالات في أوروبا، وهذا لا يلغي حقيقة فرنسا وأمريكا وبريطانيا بكونها دولا لرأسمالاتها الاحتكارية أيضا. وإذا كانت روسيا السوفييتية قد اضطرت لحرب قاسية مع ألمانيا النازية طيلة أربع سنوات، فقد عاش المغرب 44 سنة من الاستعمار والاستغلال الاحتكاري الفرنسي. انتهت الحرب الروسية الألمانية باستسلام ألمانيا النازية عام 1945، فيما انتظر المغرب استقلاله عن الاستعمار الفرنسي إلى غاية 1956 (11 سنة بعد نهاية الحرب العالمية الثانية).
انتهت مرحلة الاستعمار العسكري لتخلفها مرحلة جديدة، مرحلة الاستعمار الجديد. استفادت روسيا السوفييتية كبقية المنتصرين في الحرب العالمية الثانية، وذلك باقتسام المجال الجيوسياسي بينها وبين أمريكا وحلفائها. وكان من شأن هذا الاقتسام أن ينتج احتكاكات وصراعات على حدود مجاليه (مجال “الناتو” ومجال “وارسو”)، فكانت الحرب الباردة تعبيرا واضحا عن ذلك. وبقيت روسيا، طيلة فترة هذه الحرب، مشتتة التركيز بين ما يقتضيه التخطيط الاقتصادي والترتيب السياسي داخل الاتحاد السوفييتي وبين ما يقتضيه الحفاظ على المجال الجيوسياسي لحلف “وارسو” في مواجهة حلف “الناتو”. راهنت روسيا في هذه المواجهة على الإيديولوجيا والقوة العسكرية أكثر من مراهنتها على “الجيوبولتيكا”، وأهملت إمكانات الاختراق العولمي (والما بعد حداثي) لحصونها من الداخل (ألكسندر دوغين، الجغرافيا السياسية لما بعد الحداثة). فانتهت الحرب بين الطرفين بانهزام روسيا واختراق اقتصادها وثقافتها، وكان سقوط جدار برلين (1989) التعبير الرمزي والأكثر دلالة على هذا الانهزام.
لم يكن المغرب بمنأى عن هذه التحولات الجيوسياسية، فبدوره دخل مرحلة جديدة من التدافع مع الغرب، وبالضبط مع فرنسا (استعمار قديم يتجدد) وأمريكا (استعمار جديد). فتحولت عدد من مجالات السيادة المغربية إلى مجال للتدافع والصراع، بين قوى الغرب عن طريق عملائها أو بتدخلها المباشر، وبينها وبين الدولة المغربية. بهذه الطريقة يمكننا فهم الصراع على الحكم على امتداد عشرين سنة من الاستقلال، كما يمكننا فهم التنافس على تأويل الدين منذ ثمانينات القرن الماضي، توظيف ملف الصحراء المغربية للضغط على المغرب يدخل في هذا الإطار أيضا. وكان المغرب، في مجاراة هذا الواقع الجديد، وفيا لسياسة قديمة تتيح له الحركة بين التناقضات الدولية واستثمارها لصالحه.
بعد سقوط جدار برلين، أصبح العالم بأسره في قبضة الولايات المتحدة الأمريكية، وتحت سيطرة قيمها العولمية وأدلوجتها في الديمقراطية وحقوق الإنسان. ونال كل من المغرب وروسيا حظهما من ذلك، من ضغوط أريد من خلالها إحلال ثقافة مكان أخرى، وقيم مكان أخرى، ليس بهدف التنمية، ولكن بهدف التفكيك من الداخل و”رفس السلالم” الاقتصادية والثقافية والسياسية. تختلف الأحداث، والسياق واحد. عاشت روسيا حرب الشيشان، وبلقنة مشهدها الحزبي بأحزاب ليبرالية ذات هوى أمريكي، والثورات الملونة في أوروبا الشرقية، والتهديد الإرهابي الداعشي من حدودها مع سوريا، وآخرها النازية الجديدة (استهداف روسيا من أوكرانيا)، ناهيك عن استهداف روسيا في ثقافتها وقيمها الأرثودوكسية، إلخ. وعاش المغرب الاستهداف الإرهابي بمرحلتيه (القاعدة: أحداث 16 ماي 2003 والتي بعدها/ داعش: تفكيك الخلايا)، والثورات الملونة لفتنة الربيع (20 فبراير)، واستهداف وحدته الترابية (تصريحات بان كيمون، وعرقلة معبر الكركرات بين الفينة والأخرى إلأى غاية تحريره)، واستهداف المنظمات الحقوقية الأجنبية لسيادته القانونية والقضائية (منظمة العفو الدولية)، ناهيك عن استهداف قيمه وثقافته وتدينه الخاص، إلخ. تختلف الأحداث، والسياق واحد، السيطرة الأمريكية طيلة 20 سنة بالحرب وعولمة الثقافة والسياسة والاقتصاد.
(يتبع)



