الحضور الإفريقي في الأمم المتحدة: التحديات والآفاق المستقبلية

26 سبتمبر 2025

تحرير: أفريكا آي

منذ نشأة منظمة الأمم المتحدة عام 1945، كان الوجود الإفريقي فيها محدودًا، نظرًا لأن معظم الدول الإفريقية كانت لا تزال ترزح تحت نير الاستعمار الأوروبي. ومع انطلاق موجة الاستقلالات في خمسينيات وستينيات القرن العشرين، تغيّر المشهد الدولي، وبدأت الدول الإفريقية تنضم تباعًا إلى المنظمة الأممية، حتى أصبحت اليوم تُشكل أكبر تكتل قاري داخلها من حيث عدد الأعضاء، إذ يبلغ عدد الدول الإفريقية الأعضاء في الأمم المتحدة 54 دولة، وهو ما يعادل تقريبًا ربع عدد الدول الأعضاء في الجمعية العامة. هذا الحضور العددي منح إفريقيا ثقلاً سياسيًا ودبلوماسيًا لا يمكن تجاهله، وجعلها فاعلًا رئيسيًا في مداولات المنظمة، وخصوصًا في القضايا التي تمس العالم النامي.

غير أن قوة التمثيل العددي لم تترجم دومًا إلى تأثير فعلي في مراكز القرار داخل المنظمة، وخصوصًا في مجلس الأمن الدولي، الذي تظل عضويته الدائمة حكرًا على القوى الخمس الكبرى. من هنا، كان من الطبيعي أن تطالب الدول الإفريقية، منذ عقود، بإصلاح نظام الأمم المتحدة، وإعادة هيكلة مجلس الأمن بما يسمح بتمثيل عادل ومتوازن يعكس الحقائق الجيوسياسية والاقتصادية الجديدة في العالم. وقد تبلورت هذه المطالب في إطار ما يُعرف بـ “توافق إيزولويني” و”إعلان سرت”، واللذين يُعبران عن موقف إفريقي موحد يدعو إلى منح القارة مقعدين دائمين في مجلس الأمن مع حق النقض (الفيتو)، بالإضافة إلى زيادة عدد المقاعد غير الدائمة المخصصة لها. هذه المطالب ليست مجرد طموحات نظرية، بل تعكس شعورًا إفريقيًا متناميًا بالتهميش داخل منظومة دولية تتخذ قرارات مصيرية غالبًا دون إشراك مباشر من القارة التي عانت طويلًا من ويلات الاستعمار، والحروب، والنزاعات العابرة للحدود، والتغيرات المناخية، والديون الخارجية.

ورغم هذا التحدي، فقد استطاعت الدول الإفريقية أن تلعب أدوارًا مهمة داخل الأمم المتحدة، سواء بشكل فردي أو جماعي. فمن خلال “المجموعة الإفريقية”، تنسق الدول الإفريقية مواقفها وتعمل على طرح قضاياها ضمن رؤية موحدة، خاصة في المجالات المتعلقة بالتنمية المستدامة، ومكافحة الفقر، وتغير المناخ، وحقوق الإنسان، والإصلاح المؤسسي للمنظمة. كما أن الدول الإفريقية هي من بين الأكثر مشاركة في بعثات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة، سواء من حيث الجنود أو من حيث استضافة تلك البعثات على أراضيها، وهو ما يجعلها طرفًا محوريًا في مناقشات الأمن والسلم الدوليين.

ولا يمكن إغفال أن الكثير من الملفات التي تتعامل معها الأمم المتحدة تهم القارة الإفريقية مباشرة، سواء على صعيد التنمية أو على صعيد السلم والأمن أو حتى على صعيد حقوق الإنسان. وعلى سبيل المثال، فإن الأهداف السبعة عشر للتنمية المستدامة، التي تبنتها الأمم المتحدة عام 2015، لا يمكن تحقيقها عالميًا دون تقدم حقيقي في إفريقيا، حيث تتركز نسبة كبيرة من الفقر، والهشاشة الصحية، وضعف البنية التحتية، والتحديات التعليمية. وبالتالي، فإن دعم إفريقيا وتمكينها اقتصاديًا وتنمويًا لم يعد خيارًا إنسانيًا فحسب، بل ضرورة استراتيجية لضمان استقرار النظام الدولي بأكمله.

في المقابل، تواجه الدول الإفريقية تحديات داخل الأمم المتحدة، تعرقل في بعض الأحيان قدرتها على التأثير الفعلي. فمن جهة، تفتقر العديد من الدول الإفريقية إلى الموارد المالية والبشرية التي تُمكنها من تفعيل دبلوماسيتها بشكل مستمر وفعال داخل المنظمة. ومن جهة أخرى، قد تتباين المصالح الوطنية، وتغيب أحيانًا القدرة على توحيد المواقف، مما يُضعف من مركز القارة التفاوضي في القضايا الكبرى. أضف إلى ذلك أن بعض الدول الإفريقية لا تزال تُعاني من عدم الاستقرار الداخلي، أو من تبعية اقتصادية وسياسية لقوى خارجية، وهو ما يحد من قدرتها على تبني سياسات خارجية مستقلة ومؤثرة على المستوى الدولي.

ومع ذلك، فإن المستقبل يحمل آفاقًا واعدة للوجود الإفريقي في الأمم المتحدة، خاصة إذا استطاعت الدول الإفريقية تعزيز التنسيق فيما بينها، وبناء تحالفات استراتيجية مع الدول النامية الأخرى، والاستثمار في تطوير قدراتها الدبلوماسية والتقنية. كما أن تصاعد الوعي الإفريقي بأهمية “التموضع الدولي” يدفع اليوم العديد من القيادات الإفريقية إلى التفكير في كيفية تحويل الحضور الكمي إلى تأثير نوعي، وإلى العمل من أجل أن تكون إفريقيا صانعة للقرار العالمي، لا مجرد متلقية له.

إن الوجود الإفريقي في الأمم المتحدة ليس مجرد حضور رمزي أو شكلي، بل هو تعبير عن إرادة قارة بأكملها في أن يكون لها دور في رسم معالم النظام الدولي الجديد. ورغم التحديات الكثيرة، فإن لدى إفريقيا من الإمكانيات البشرية والثروات الطبيعية والطاقات الفكرية ما يؤهلها لأن تكون شريكًا حقيقيًا في بناء عالم أكثر عدالة وتوازنًا. ولذلك، فإن استمرار النضال من أجل إصلاح الأمم المتحدة، وتعزيز المشاركة الإفريقية فيها، ليس مجرد معركة سياسية، بل هو جزء من معركة أوسع من أجل الكرامة والسيادة والتنمية.