بعد موافقة الأطراف على اتفاق ترامب.. كيف تبدو نتائج الحرب في غزة والشرق الأوسط؟

محمد زاوي
بعد توصل أطراف الحرب إلى اتفاق بوساطة أمريكية-عربية في غزة؛ ربما يحق لنا اليوم أن نتساءل:
ماذا حصل بعد أكثر من سنة من الحرب والعدوان في غزة؟
ناهيك عن الخسائر المادية والبشرية التي عرفها قطاع غزة، بما في ذلك عشرات الآلاف من الشهداء وتدمير البنية التحتية للقطاع؛ ناهيك عن ذلك، كيف يمكن تقييم الخريطة الجيوسياسية في الشرق الأوسط بعد عام من معركة سياسية وحضارية كبرى؟
وإلى أي حد استطاع الوطن العربي حِفظ مصالحه في “عالم مترنح” يطل على “عالم متعدد الأقطاب”؟
ألم يان لهذه الرقعة الجيوسياسية والحضارية أن تستعيد زمام المبادرة في عالم أصبح يسمح بذلك أكثر من أي وقت مضى؟
وكيف يمكن تقييم عملية “طوفان الأقصى” في هذا الإطار الحضاري والتاريخي العام؟
لقد أسفرت العملية وما تلاها من عدوان عن النتائج التالية:
1-ردع اليمين المتطرف “الإسرائيلي” الذي ظل يرفض حل الدولتين لعقود، والذي حال دون نجاح كل جهود الوساطة لتحقيق السلام في المنطقة، وهو نفسه الطرف “الإسرائيلي” المؤمن ب”إسرائيل الكبرى” وبافتعال الحروب وممارسة التطهير العرقي والتوسع الجغرافي عن طريق الاستيطان والاحتلال لتحقيقها، وكله تحت قناع يهودية محرَّف –تلمودية- تمارس التدليس والتوظيف على يهود “إسرائيل” أنفسهم. لقد تم ردع هذا اليمين من جهتين: من جهة عملية “طوفان الأقصى” التي استهدفت القوات الاستخباراتية والأمنية والعسكرية التي يستقوي بها على الفلسطينيين وباقي شعوب المنطقة، ومن جهة ما أدى إليه عدوانه على قطاع غزة من استنكار عالمي وقرارات جنائية دولية غير مسبوقة (في حق بنيامين نتنياهو “ووزير دفاعه” يوآف غالانت) واعتراف دول أوروبية بدولة فلسطين (النرويج، إسبانيا، إيرلندا) واستنزاف عسكري طيلة سنة في حرب طاحنة لم تفل من عزم وصمود الشعب الفلسطيني.
2-تلقي حركة “حماس” وكتائبها العسكرية “عز الدين القسام” ضربات قوية وخسائر كبيرة، على عدة مستويات من أبرزها: استشهاد عدد من قيادات الصف الأول العسكرية (محمد الضيف، مروان عيسى، أيمن نوفل، رافع سلامة، إلخ) والسياسية (إسماعيل هنية، يحيى السنوار، صالح العاروري، الخ)، استهداف أنفاق غزة والتجهيزات العسكرية ومواقعها في المناطق التي زحف بها “جيش” الاحتلال، استشهاد عشرات الآلاف من سكان قطاع غزة وهؤلاء يمثلون إما حاضنة شعبية للمقاومة وإما أساسا بشريا لتكوين كوادرها وجنْدها، وتراجع نفوذ الحركة وسلطتها السياسية في قطاع غزة وخارجها (ومن ذلك وضعها الجديد في كل من تركيا وقطر)، إغلاق منافذ سياسية وعسكرية مهمة للحركة بتراجع إيران و”حزب الله” وتغيير المعادلة السياسية في سوريا، إلى غير ذلك من الضربات التي تلقتها المقاومة سياسيا وعسكريا. وهذا كله حاصل لا ينفي مشروعية المقاومة والحاجة إليها، ولكنها المعارك بشروطها وموازين قواها قد تطوي “زمن مقاومة” في “زمن أمة”، وهذا ما نرجح حصوله!
3-إقليميا، يمكننا الحديث أيضا عن تراجع ما يسمى “حلف المقاومة” الذي يضم: الحرس الثوري الإيراني، و”حزب الله” اللبناني، والحشد الشعبي العراقي، ونظام بشار الأسد في سوريا، وجماعة “أنصار الله” الحوثية في اليمن، وحركتي “حماس” و”الجهاد الإسلامي” في قطاع غزة. تراجعت إيران بالضربات التي تعرضت لها في لبنان وسوريا، وبانحسار دورها المرجعي في العراق، وبسقوط النظام السوري الحليف لها (سقوطه يعتبر أيضا من نتائج الحرب في الشرق الأوسط وأوروبا الشرقية بين روسيا وأوكرانيا)، كذا باستهداف الحوثيين في اليمن واستشهاد الكوادر العسكرية والسياسية الأقرب إليها في “حماس” (محمد الضيف ويحيى السنوار)، ثم بمهاجتها في عقر دارها باغتيال عدد من أبرز قياداتها المدنية والعسكرية. فلا غرابة أن يعزف النظام الإيراني على وتر “الأطروحة الإصلاحية” من جديد، خاصة وأنه دفع بالإصلاحيين للحكم بعد اغتيال رئيس يعتبر من أشد المحافظين الإيرانيين. وتعد الضربة التي تعرض لها “حزب الله” في لبنان أكبر خسارة لإيران في المنطقة، خاصة وأنها ضربة عسكرية (اغتيال حسن نصر الله وهاشم صفي الدين، والقضاء على معظم الكوادر الأولى في هيئة الرضوان، ودفع قوات الحزب إلى ما وراء الليطاني، الخ) لم تخل من ارتدادات سياسية طوقت الوجود السياسي ل”حزب الله” في المؤسسات السياسية اللبنانية، ومن شأنها أن تضاعف هذا التطويق مستقبلا.
4-حفاظ الوطن العربي على وجوده المقاوِم وصموده، ونذكر على وجه الخصوص موقف كل من مصر والأردن الرافض لتهجير الفلسطينيين من أراضيهم والمحافظ على حدود البلدين في وجه مخططات توسعية تلمودية تستهدف دول الطوق، وموقف المملكة العربية السعودية المتشبث بإقامة الدولة الفلسطينية والاعتراف بسيادتها مدعوما في ذلك بكافة الدول العربية، وموقف المملكة المغربية الملتزم بالدفاع عن حق الشعب الفلسطيني والسماح بانفراج احتجاجي استنكر العدوان “الإسرائيلي” على قطاع غزة محليا ووطنيا منذ 7 أكتوبر 2023، وكافة الدولة العربية التي تدافع عن الحق الفلسطيني انطلاقا من اعتبارين: مبدئي يتمسك بالحق العربي والإسلامي، ومصلحي يراعي ميزان القوى الدولي والإقليمي. إن هذا الموقف العربي مطالب اليوم بمزيد من التكتل والصمود، في ظل الضغوط التي يمارسها دونالد ترامب في ولايته الثانية. الأمر الذي يستوجب تبني اختيار المواجهة في منحيين: تكتيكي باستثمار خصوم د. ترامب في الوطن العربي وخارجه (استثمار يجب أن يبقى في حدود الضغط التكتيكي لأن خصوم ترامب داخل الولايات المتحدة الأمريكية أكثر رجعية منه واستراتيجيتهم استراتيجية حربية عسكرية بالأساس)، واستراتيجي باستثمار نقيضه الاستراتيجي أي الصين أو بالضغط عليه هو نفسه ومحاولة إقناعه بفعالية الموقف والمقترح العربي في تحقيق استراتيجية السلام بالشرق الأوسط.
يجب أن نتبنى إزاء “السابع من أكتوبر” (2023) موقف التحليل الموضوعي الذي لا تأخذه عدالة القضية أخذا يلهيه عن معرفة واقعها الجيوسياسي الحقيقي بعد معركة لم تكن هينة على الشعب الفلسطيني ومقاومته. وإن المواقف الاحتفالية، وتلك التي تغلب عليه النُّدبة، كلاهما لا يسعفان في تحديد الواقع الحقيقي للقضية. أما أطراف الصراع، “إسرائيليين” وفلسطينيين، فخطاب كل منهما يحتاج إلى نقد يميز الإيديولوجيا من حقيقة ما أسفرت عنه الحرب الأخيرة. ليس من مصلحة الدعاية إعلان الخسارة أو الهزيمة أو التراجع، وحده التحليل الموضوعي يحدد إلى أي حد تقدمت القضية الفلسطينية بالحرب الأخيرة، وإلى أي حد شكلت هذه الحرب ردعا لليمين “الإسرائيلي” المتطرف؟!



