العلاقات العسكرية الجزائرية الروسية بين رسائل القوة وتجاهل ازمات المواطن

تحرير: أفريكا آي
لم تكن زيارة الغراب الروسي BOIKII الى ميناء الجزائر مجرد حدث بروتوكولي عادي كما حاول الاعلام الرسمي تصويره. فالتوقف الذي دام ثلاثة ايام، وما رافقه من زيارات متبادلة بين قادة البحريتين الجزائرية والروسية، والتمرين البحري المشترك من نوع PASSEX بين السفينة الجزائرية المتصدي والغراب الروسي، لم يكن سوى حلقة جديدة في سلسلة تعاون عسكري يتوسع باستمرار. هذه الانشطة البحرية، بكل ما تحمله من رمزية عسكرية وسياسية، جاءت لتضيف دليلا اخر على ان الجزائر ماضية في تعميق ارتباطها بروسيا، حتى في وقت يعيش فيه المواطن الجزائري ازمة اجتماعية واقتصادية خانقة.
فالسلطة تواصل تقديم نفسها كقوة اقليمية قادرة على المناورة العسكرية والتنسيق العملياتي مع واحدة من اكبر القوات المسلحة في العالم، بينما يعيش الجزائريون يوميا على وقع الازمات. وبمجرد الاعلان عن رسو السفينة الروسية، بدأ سؤال يتردد بين الناس: ما الذي يستفيده المواطن من هذه الأنشطة العسكرية المتكررة؟ وكيف تستمر الدولة في توسيع التعاون البحري والجوي مع موسكو في وقت لا تستطيع فيه حل مشكلات السكن، والصحة والغلاء وبطالة الشباب؟
الحقيقة ان زيارة BOIKII ليست سوى وجه اخر لسياسة تسلح واسعة تدفع البلاد نحو مزيد من الاعتماد على روسيا. فبدل ان تعطي الدولة اولوية للاوضاع الاجتماعية، نجدها تستثمر في تعزيز القوة البحرية، وتنفيذ تدريبات مشتركة، وشراء عتاد بمليارات الدولارات. وهي مليارات كان من الممكن ان تنقذ قطاعات حساسة تنهار امام اعين المواطن كل يوم. فماذا يعني تنسيق بحري بينما اقسام الطوارئ في المستشفيات تفتقر الى ابسط التجهيزات؟ وما معنى مناورات بحرية مع الروس بينما الاطفال يدرسون في اقسام مكتظة بلا تدفئة ولا تجهيزات خصوصا في هذا الفصل البارد؟
الارتهان لروسيا في مجال التسليح اصبح اشبه بخط احمر لا تستطيع السلطة تجاوزه. فالتعاون البحري الذي ظهر جليا في زيارة الغراب الروسي ليس سوى جزء من شبكة اعتمادية اكبر تشمل الطائرات والدبابات والصواريخ. هذا الارتباط العميق يطرح اسئلة جدية حول استقلالية القرار العسكري الجزائري.
لكن الاشكال الحقيقي يكمن في الهوة المتسعة بين صورة الدولة وصورة الواقع. فالسلطة تتصرف كما لو ان الجزائر دولة غنية وقادرة على موازنة كل المجالات، بينما الواقع مختلف تماما. المواطن يعيش يوميا تحت عبء الغلاء، ونقص الخدمات، وضعف البنية التحتية، وانسداد الافق الاقتصادي. وفي الوقت ذاته، يرى اهتماما رسميا متزايدا بالصفقات العسكرية، في تناقض يخلق شعورا عميقا بان الدولة تهتم بشكلها الخارجي اكثر مما تهتم بحال شعبها.
ان زيارة BOIKII الى الجزائر ليست حدثا عابرا، بل هي رسالة تكشف اولويات السلطة. فالرسالة واضحة وتترجم أن السلطات تراهن على التفوق العسكري اولا، فالمواطن ثانيا. لكن هذه السياسة لا تبني دولا قوية. لأن الدول القوية هي تلك التي تبدأ من الداخل، من المواطن، من المدرسة، من المستشفى، من سوق العمل، من احترام الانسان…أما بناء قوة عسكرية فوق ارضية اجتماعية هشة فهو مجرد بناء شكلي لا يصمد طويلا.
ان الجزائر لا تحتاج اليوم الى رسائل قوة ولا الى مناورات مشتركة مع الاسطول الروسي بقدر ما تحتاج الى مصالحة مع شعبها والى رؤية واضحة تعيد ترتيب الاولويات. فالسلاح مهما كان متطورا لا يمكنه اخفاء هشاشة الواقع الاجتماعي، ولا يمكنه ان يعوض غياب التنمية ولا ان يقنع مواطنا يشعر ان كرامته اخر ما تفكر فيه السلطة.
وإجمالا يمكن للجزائر ان تستقبل عشرات السفن الروسية، وان تنفذ كل التمارين البحرية التي تريد، لكن قوتها الحقيقية ستظل في مكان واحد، أي في كرامة المواطن الذي يعيش كل يوم تحت ضغط ازمات لا تنتهي.



