غرينلاند… الجزيرة التي تكشف تصدعات البيت الأطلسي

بقلم : خديجة منصور
تعود غرينلاند إلى واجهة الجدل الدولي بوصفها أكثر من مجرد جزيرة متجمدة، إذ تتحول تدريجيا إلى عقدة استراتيجية تختزل منطق الصراع في النظام الدولي المعاصر. فإحياء الرئيس الأميركي دونالد ترامب لفكرة الاستحواذ عليها، سواء عبر الشراء أو عبر مسارات أكثر التباسا، يعكس عودة صريحة إلى منطق القوة الذي وصفه توماس هوبس بحالة “الطبيعة السياسية”، حيث تسعى الدول، في غياب ضابط أخلاقي فعّال، إلى تعظيم أمنها ومصالحها ولو على حساب الشركاء والحلفاء.
ينطلق التفكير الأميركي في غرينلاند من قراءة أمنية صِرفة، ترى في القطب الشمالي ساحة الصراع المقبلة بين القوى الكبرى، فمع ذوبان الجليد وفتح طرق شحن جديدة، تتحول الجغرافيا إلى عنصر ضغط استراتيجي، وتصبح السيطرة المسبقة وسيلة لمنع الخصوم من الاقتراب، هنا يتجلى منطق هوبس مرة أخرى، حيث الخوف – لا القانون – هو المحرك الأساسي لسلوك الدولة، والخشية من روسيا والصين تبرر، في العقل الاستراتيجي الأميركي، إعادة تعريف الحدود المقبولة داخل التحالف الغربي نفسه.
تكشف الأبعاد الاقتصادية للجزيرة عن وجه آخر لهذا الصراع، إذ تختزل غرينلاند في حسابات الموارد والمعادن النادرة التي تشكل عصب القوة في القرن الحادي والعشرين. فالدولة التي تسيطر على سلاسل الإمداد التكنولوجي والعسكري تفرض إيقاعها على النظام العالمي، وهو ما ينسجم مع رؤية هنري كيسنجر التي تعتبر أن الجغرافيا والموارد ليست عناصر جامدة، بل أدوات تفاوض قاسية تستخدم لإعادة توزيع النفوذ. من هذا المنظور، تبدو غرينلاند استثمارا استراتيجيا طويل الأمد أكثر منها مغامرة سياسية عابرة.
تصطدم هذه المقاربة الأميركية برد أوروبي يستند ظاهريا إلى القانون الدولي ومبدأ السيادة، حيث تؤكد الدنمارك، بدعم من حلفائها، أن الجزيرة ليست معروضة للبيع. غير أن هذا الخطاب يعكس رؤية أقرب إلى فلسفة إيمانويل كانط، التي تفترض إمكانية قيام نظام دولي قائم على العقل والقانون والسلام الدائم. المشكلة أن هذا التصور المثالي يبدو هشا عندما يواجه واقعية قوى عظمى لا تزال ترى في القوة العسكرية والاقتصادية المرجع الأخير للحسم.
تضع الأزمة حلف شمال الأطلسي أمام اختبار وجودي غير مسبوق، إذ يتحول من تحالف دفاعي ضد “الآخر” إلى ساحة توتر داخلي بين أعضائه، فاحتمال نشوب أزمة عسكرية، ولو نظرية، بين واشنطن وكوبنهاغن يقوض الأساس الفلسفي للحلف، ويكشف حدود التضامن عندما تتعارض المصالح الاستراتيجية. هنا تتقاطع الأزمة مرة أخرى مع أطروحات كيسنجر حول هشاشة التحالفات حين تفقد توازن المصالح، وحين تتحول القيادة إلى هيمنة غير مقبولة من الأطراف الأخرى.
تبرز النقاشات الأوروبية حول نشر قوات حماية دولية في غرينلاند عمق المأزق القائم، إذ تبدو هذه الطروحات أقرب إلى رمزية سياسية منها إلى ردع فعلي. فالفارق الهائل في القدرات العسكرية يعيد طرح سؤال القوة العارية، ويؤكد أن ميزان الردع داخل الناتو غير متكافئ.
و يمكن استحضار أفكار ألكسندر دوغين، الذي يرى أن الليبرالية الغربية تخفي صراعات داخلية مكتومة، وأن التكتلات الكبرى تحمل في داخلها بذور تفككها عندما تغيب رؤية حضارية جامعة.
تختزل أزمة غرينلاند، في المحصلة، في صراع بين نموذجين للعلاقات الدولية: “نموذج مثالي يؤمن بالقانون والمؤسسات، ونموذج واقعي يرى في القوة والمصلحة معيار السلوك”. وبينما تميل الولايات المتحدة إلى إعادة إنتاج منطق هوبس وكيسنجر، يجد الأوروبيون أنفسهم أسرى تصور كانطي لم يعد يمتلك أدوات الردع الكافية. أما النتيجة الأعمق، فهي ما أشار إليه دوغين ضمنيا؛ أن العالم يدخل مرحلة تصدع داخل المعسكر الواحد، حيث لم يعد الصراع محصورا بين الشرق والغرب، بل بات يتسلل إلى قلب البيت الغربي نفسه، مع غرينلاند كرمز جليدي لصراع ساخن على مستقبل النظام الدولي.



