العلاقات المغربية الروسية (5/ الأخيرة): في أفقها السياسي

3 أكتوبر 2025

محمد زاوي

لا يستقيم القفز على الاختلاف السياسي بين المغرب وروسيا؛ فلكل منهما خصوصية سياسية، ولكل منهما تطوره السياسي الخاص. عرفت روسيا تاريخا مرحليا يمكن إجماله في ثلاث مراحل: روسيا القيصرية، الاتحاد السوفييتي، روسيا الجديدة. وشهد المغرب ثلاث مراحل أيضا: المغرب الإمبراطوري، مرحلة “الحماية”، مغرب الاستقلال.

ورغم خصوصية كل من البلدين، فإن بينهما قواسمَ مشتركة. لعل أبرزها الانتقال إلى الوطن الجديد، إذ عانى كل منهما من تبعات هذا الانتقال، وهي التبعات التي لم تخلُ من تدخل استعماري جديد، هو انعكاس في جوهرية لإمبريالية جديدة، غربية عولمية تخترق الثقافة الوطنية والرأسمال الوطني. في هذه المعركة يعبر البلدان عن وحدة نموذجية في رفض التدخل الاستعماري وفق الممكن والمتاح تاريخيا.

وكما انتظرت روسيا قرابة عقدين لتعبر عن عودتها للساحة الدولية كلاعب كبير تحرر من أغلال الاختراق الإمبريالي، يحتاج المغرب إلى نفس المدة أو أكثر مع نوع من الاستثمار للظروف العالمية حتى يستقل بقدراته الاقتصادية وموقفه السياسي إلى حد أبعد مما هو اليوم.

العلاقات بين المغرب وروسيا من شأنها أن تخفف الضغط الغربي على المغرب، ما دامت روسيا قد فرضت موقفها في ميزان القوى الدولي، وما دامت في حاجة إلى قوى إقليمية مثل المغرب لتعزيز موقفها ووجودها الجيوسياسي. المغرب أيضا في حاجة إلى الواجهة الروسية يمارس من خلالها بدوره نوعا من الضغط المضاد على النقيض من الضغط الغربي، وهي سياسة مغربية قائمة على تنويع الشراكات واستثمار التناقضات لمصلحة الدولة.

وهكذا فإن تحرر المغرب من تاريخه الاستعماري الفرنسي لن يتأتى بتعزيز العلاقة ب”أمريكا المدنية” فحسب، وإنما أيضا من خلال ربط علاقات مع نقيض أمريكا -روسيا كان أو صينيا- لوضع كوابح للتدخلات الأمريكية نفسها، ولإمكان ابتزازها من جهة أخرى. تقلبات الإدارة الأمريكية أيضا تفرض هذا النوع من التعامل، تحسبا لبروز “أمريكا العسكرية” للواجهة. إن الأوراق الضاغطة عمل دؤوب ومستمر، وعندما يحين وقت وضعها على الطاولة تكون قد أُعِدّت منذ زمن وبتدرج وبما يقتضيه التراكم السياسي الطبيعي.

العلاقات السياسية مرتبطة بالاقتصاد أيضا. فالذي يسعى إلى الكسب في السياسة يبحث عن الحلول في الاقتصاد. الاقتصاد كذلك قد يكون مسبوقا بموقف سياسي أو دبلوماسي. فالذي يسعى إلى ربح صفقة اقتصادية يحسن استباق الحدث السياسي ولعب الأوراق السياسية في الزمن الصحيح.

في هذا الإطار الجدلي، حيث التأثير متبادل بين الاقتصاد والسياسة، تتحدّد العلاقات الدولية. ومنها العلاقة بين المغرب وروسيا. فتصويت المغرب لصالح روسيا، بامتناعه عن إدانة تدخلها في أوكرانيا في الأمم المتحدة، يمكن قراءته في هذا الإطار. وهو موقف سياسي يشكل انعطافة، احتاجت إلى نوع من المناورة بمواقف عكسية في ما بعد، ولكنها متفهمة من روسيا قبل غيرها.

وهكذا فالموقف السياسي المغربي من عملية روسيا في أوكرانيا ليس حدثا عفويا، أو مبدئيا خالصا، بل هو على الأرجح مرتبط بنوع من التنسيق بين البلدين في عدد من القضايا الإقليمية والدولية، على رأسها قضية الصحراء المغربية وتوزيع الخبرة عالميا (المشروع النووي في المغرب) وموقف البلدين من الإدارة الأمريكية (كلاهما أقرب إلى إدارة الجمهوريين).